نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين

 نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين
 نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين


نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين

استطاع المرابطون الحفاظ على الحركة العلمية التي كانت سائدة آنذاك في بلاد المغرب و الأندلس، وأضافوا إليها الكثير في العَدْوَتَيْن ، وعند تسلم الموحدين الحكم بزغت إلى الوجود ثمرة جهود المرابطين في تشجيع العلم وتحفيز العلماء من مختلف المشارب والمدارك إبان عهدهم الزاهر، فبذرت بذور النهضة العلمية الكبرى التي نمت وترعرعت على عهد الدولة الموحدية العظيمة.

توفرت للحركة العلمية عوامل ساعدت على نهضتها أهمها

- حرية الفكر: كان من الطبيعي أن يحرر الموحدون الفكر من بعض القيود التي فرضها عليه الفقهاء المرابطون، والحالة أنهم ثاروا على مظاهر الضعف والانحلال والتعصب التي أصابت الدولة المرابطية، فنشطت لذلك الفلسفة وعلم الكلام، وكثر المشتغلون بهما وذاع صيت المغاربة في ذلك إلى درجة أن فريديريك الثاني ملك إيطاليا (1194- 1250م) وجه أسئلة فلسفية إلى علماء سبتة للإجابة عنها، فأجاب عنها الفيلسوف عبد الحق بن سبعين (614-669هـ) وضمنها كتابه (المسائل العقلية).

هجرة العلماء إلى المغرب

فقد اجتمع فيه أعلام من الأندلس والقيروان على اختلاف مداركهم ومشاربهم ومسالكهم ، واستقرار الكثير منهم بمراكش عاصمة الدولة الموحدية أو بغيرها من المدن المغربية، وعبور العلماء والطلبة المغاربة من جهة أخرى إلى الأندلس ، يضاف إليهم الجم الغفير من العرب الذين دخلوا المغرب في عهد عبد المومن، فاصبحت البلاد كلها نوادي علمية و فكرية تصاهرت فيها التقاليد و العادات .

انتشار الأمن و تدفق الأموال على الدولة

وقد تم ذلك للموحدين بفضل عدلهم، وحرصهم على امن السكان وسلامتهم، بلغ ذلك حدا قال معه صاحب القرطاس: "بأن الظعينة تخرج من نول إلى برقة دون أن تضيع".

وبلغ خراج أفريقية 150 بغلا من الفضة، وأنفق الناصر على غزو أفريقية 120 حملا، وبيع زيتون بستان عبد المومن بمراكش بمبلغ 30 ألف دينار على رخص الغلة بها، وزيتون بحيرة مكناس بمبلغ 35 ألف، وزيتون بحيرة فاس بمبلغ 50 ألف دينار، وفرق يعقوب المنصور يوم بيعته على الضعفاء 100 ألف دينار، وتصدق قبل خروجه لوقعة الأرك بأربعين ألف دينار، وفرق على الجنود والفقراء في عيد سنة 594هـ 73 ألف شاة، هذا بالإضافة إلى عطاياهم السخية للعلماء .

انتشار المعاهد العلمية

فقد أسس عبد المومن مدارس بمراكش وعلى رأسها المدرسة العامة لتخرج الموظفين، والمدرسة الملكية لتعليم الأمراء الموحدين، ومدرسة تعليم فن الملاحةو، وأسس يعقوب المنصور مدارس أخرى بمراكش وسلا وأفريقية والأندلس ؛ كما اعتنوا بالكتب والخزانات وتوفيرها للدارسين، وكانت ليوسف خزانة تضاهي خزانة الحكم المستنصر بالأندلس .

واعتنى الموحدون كذالك بالمراكز الثقافية التي وجدوها والتي تتمثل في مدن فاس ومراكش وطنجة وسبتة والقصر الصغير وبجاية والقيروان وباقي مدن الأندلس، قد أنفقوا على علمائها وطلبتها بسخاء، وحاربوا الأمية بأن كلفوا الطلبة المصامدة بالانتشار في البوادي ونشر العلم بها.

- استدعاء العلماء وعقد المجالس العلمية

وكان عبد المومن يستدعي طائفة من العلماء للتدريس بالمغرب وحضور المجالس التي كان يقيمها، وكذا كان شأن أبي يعقوب يوسف ابنه، ويعقوب المنصور حفيده، وفي هذا يقول المراكشي: "فقد جرت عادتهم بالكتب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم على أهل كل فن" .

وكانوا يقيمون المجالس العلمية في قصورهم يستدعون لها الأمراء والعلماء وطلبة الموحدين فيجزلون لهم العطاء، وأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسألة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى بإذنه فيناقشها العلماء ويشاركهم الخلفاء في ذلك، وتختم المجالس بالدعاء للخليفة .

وكان لهذه العوامل أثر في نهضة العلوم وازدهارها بالأندلس والمغرب ازدهارا لم تعرفه من قبل، أما بالنسبة للأندلس إن حضور البعد الأندلسي في التفكير الاستراتيجي لبناء الدولة الموحدية لدى المهدي بن تومرت، جعل أنصاره من بعده خصوصا كبيرهم عبد المومن بن علي الكومي يتجه نحو الأندلس، ولقد كان للانتصارات الموحدية بالأندلس في عهده تأثير حاسم في توطيد دعائم الدولة الموحدية سواء بالمغرب الأقصى أو بعدوة الأندلس.

البعد الاندلسي في النهضة

لقد أدى بسط نفوذ الدولة الموحدية على ربوع الأندلس انعكاسات جد إيجابية على تدعيم أسس الدولة بالمغرب،فانعكس ذلك رخاء عظيما وازدهارا كبيرا، بالغ الموحدون في الإحسان إلى الفقراء والعطف عندهم يتخذ طابعا إنسانيا رائعا، وخير دليل على ذلك بمرستان مراكش الذي يعطي صورة مصغرة من معاملة الموحدين للفقراء.

عرفت الحركة الفكرية تطورا ملموسا، بعد أن أغدقت الدولة بسخاء على طلاب العلم، وبناء المعاهد، وتجهيز خزائن الكتب لتنمية الفكر والثقافة، في تماه كبير مع النهضة والازدهار الفكريين اللذين كانت تعرفهما حاضرة الأندلس.

وهكذا ازدهرت العلوم والفنون والآداب. وفي هذا السياق برز جمهرة كبيرة من علماء الدين والفقه، كان في مقدمتهم المؤسس الروحي للدولة الموحدية، المهدي بن تومرت الذي كان أحد أقطاب عصره،كما كان للخلف الذي تولى بعده مساهمة فعالة في الحركة الفكرية عبر إطلاق حرية البحث والتفكير، وفضلا عن ذلك نبغ في الأندلس في هذه الحقبة الموحدية علماء بارزين أمثال عبد الرحمان بن محمد السلمي من أهل شرق الأندلس، وبه نشأ ويعرف بالمكناسي، وداووين يزيد بن عبد الله السعدي النحوي من أهل قرطبة، ومنهم أيضا إبراهيم بن الحاج أحمد بن عبد الرحمان بن سعيد بن خالد بن عمارة الأنصاري من أهل غرناطة، ومن أشهرهم وأبعدهم صيتا محمد بن مفضل بن حسن بن عبد الرحمان بن محمد بن مهيب اللخمي،صاحب كتاب"الجواهر الثمينة" المتوفى سنة 645هـ. ومن علماء العصر الموحدي الأندلسي كذالك الشيخ محيي الدين الطائي من أهل أشبيلية المتوفي سنة 638هـ.

علماء عظام من العصر الموحدي

خلف لنا العلماء المغاربة تُراثا هائلا يشهد على هذا الازدهار الفكري الذي عرفه العصر الموحدي فقد ألفوا في مختلف أصناف العلوم، في التفسير والقراءات والفقه والحديث، و في علم الأصول والكلام ، و في العلوم اللسانية: (اللغة، النحو، العروض) ؛ والتاريخ والجغرافية، والفلسفة والتصوف ، والعلوم العددية: (الحساب، الهندسة، التنجيم) و الطب، نذكر منهم :

- أبو الحسن علي بن أحمد التجيبي الحرالي المراكشي (ت 637 هـ) له تفسير سماه "مفتاح اللب المقفل، على فهم القرآن المنزل".

- أبو عبد الله محمد بن علي بن عابد الأنصاري الفاسي (ت 622هـ) اختصر كتاب الكشاف مزيلا عنه الاعتزال، وشرح الأسماء الحسنى وألف كتابه المسمى "شعب الإيمان".

- أبو الخطاب عمر بن الحسن ابن دحية الكلبي، الذي كان يحفظ صحيح مسلم كله، قد رحل إلى المشرق فاختبر علماء مصر حفظه، فأدهشهم وأعجب به الكامل الأيوبي فأنشأ له "المدرسة الكاملية" للحديث سنة 622ه، وتولاها من بعده أخوه أبو عثمان ثم ابنه شرف الدين.

- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي (ت 544ه)، كان مبرزا في الحديث ومشاركا في باقي علوم عصره، وهو مفخرة هذا العصر والذي قبله، وقد قيا فيه (لولا عياض لما ذكر المغرب)، له كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، و"مشارق الأنوار في غريب الحديث والآثار"، و"ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك".

- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي له: "مناهج التحصيل فيما للأئمة على المدونة من التأويل".

- إسحاق بن إبراهيم الغماري السعيدي الجابري، قاضي فاس وسبتة وشلب (ت 609).

- أبو زيد عبد الرحمن بن يوسف الفاسي الشهير بابن زانيف (ت 612ه)، كانت تشد إليه الرحال في مذهب مالك.

- أبو زيد عبد الرحمن السهيلي المالقي الذي شرح ما في سيرة ابن هشام من لفظ غريب، وأعرب غامضه ومستغلقه في كتابه: "الروض الأنف".

- أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المراكشي أعظم نحاة العصر (ت 607) له "المقدمة الجزولية في النحو" وتعرف بالقانون والاعتماد، لها شروح عديدة أشهرها شرح ابن عصفور (ت 633ه) وشرح الشلوبين (ت 660).

- ابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، ورسالة في النفس وغيرهما.

- وابن رشد الذي ترجم مؤلفات أرسطو وبسطها، والذي قال فيه المستشرق رينان (ت 1892): "لولاه لما فهمت فلسفة أرسطو".

- ابن سبعين الذي أجاب على أسئلة ملك إيطاليا الموجهة إلى فلاسفة سبتة.

- أبو العباس أحمد بن جعفر السبتي دفين مراكش سنة 601ه، وصاحب مذهب خاص في الصدقة.

- وأبو محمد عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم بين 622 و625ه، وهو شيخ أبي الحسن الشاذلي الشهير المتوفى سنة 656ه.

- أبي الحسن علي بن فرحون القرطبي الذي كان يدرس الحساب والفرائض بفاس صاحب كتاب "اللباب في مسائل الحساب" من الكتب التي كانت معتمدة آنذاك.

- أبو الحسن علي بن يقظان السبتي المتوفى سنة 544 ه.

- أبو بكر يحيى بن محمد بن بقي السلوي المتوفى سنة 563ه.

- أبو الحجاج يوسف بن يحيى الفاسي المتوفى سنة 623ه، له كتاب في الأغذية، وآخر في شرح الفصول لأبقراط.

 الشعراء في عصر الموحدين

تبين لنا أن الازدهار الفكري والعمراني في عصر الموحدين كان عظيما وشاملا لم يعرف المغرب نظيره قبلهم ، وكان الخلفاء يقيمون ندوات ومجالس يستدعون إليها الشعراء، ويستمعون إليهم، أشهرها الندوة التي أقامها عبد المومن على ظهر جبل الفتح (جبل طارق) بعدما أعاد الأمن إلى الأندلس، أبان فيها على شعور مرهف بالجمال وتذوق كبير للشعر.

وكان هؤلاء الشعراء نوعان ،شعراء عاصروا عهدي المرابطين والموحدين وانتصروا لهؤلاء وساروا في تيارهم المذهبي، يمدحون الخلفاء ويصفون فتوحاتهم وانتصاراتهم، ويمثل الاتجاه ابن حبوس الفاسي الذي أسرع بالإيمان بالدعوة المحمدية، وله في عبد المومن خاصة عدة قصائد.

وشعراء نشأوا في أحضان الدولة، ووهبوا نفسهم وشعرهم لها، فكانوا لسان حالها المعبر عن مواقفها والمدافع عن كيانها من خلال مدح الخلفاء والإشادة بانتصاراتهم وفتوحاتهم، ويأتي أبو العباس الجراوي في طليعتهم، ويعتبر شاعر الدولة الرسمي، إذ يكاد يكون كل شعره فيها، مما جعل عبد المومن يقول له: (يا أبا العباس إنا نباهي بك أهل الأندلس) ؛ ومن أحسن شعره قصيدته في معركة الأرك، ومطلعها:
هو الفتح أعيا وصفه النظم والنثرا ...... وعمت جميع المسلمين به البشرى
إذا كانت دعائم الفكر المغربي قد ركزت وأثبتت في العهد المرابطي، فإنه قد بلغ شأنا كبيرا من الازدهار في العصر الموحدي، وكان هذا الازدهار عاما وشاملا عم مختلف العلوم والآداب والفنون بدون استثناء.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »