الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة

الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة
الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة 
الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة 

الزراعة في الاسلام

تعدُّ الزراعة من المهن اللاَّزمة لحياة البشرية، والتي لا تحيا بدونها، وقد ورد في القرآن الكريم بعضُ الآيات التي تلفت انتباه الناس إلى ذلك؛ منها قوله - تعالى -: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 33]، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10]، وقوله - تعالى -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99].

وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - البشر بالسَّعي والتنقيب في الأرض؛ لإخراج ما فيها من خيرات عن طريق الزراعة وغيرها؛ فقال - عزَّ وجل -: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

ونهى - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ترك الأرض بورًا دون زرع، فقال: ((من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإنْ أَبَى فليمسك أرضه)). " صحيح البخاري"، كتاب المزارعة، حديث رقم: 2493، و"صحيح مسلم"، كتاب البيوع، حديث رقم: 2863.

وبيَّن - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الزارع لا يجني ثِمارَ عمله في الدُّنيا فقط، وإنَّما زراعته وسيلة تقربُ إلى الله، كما يتقرب الغني بماله، فقال: ((ما من مسلم يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة؛ إلاَّ كان له به صدقة)). رواه البخاري، (2152)، و"مسند أحمد"، رقم: 12038.

وقد عمل كثير من الصحابة في الزراعة، واشتهرت المدينة المنورة بمزارعها وبساتينها، وأقطع النبي "صلى الله عليه وسلم" رجالًا من أصحابه الأراضي الواسعة ليعمروها ويزرعوها ويستثمروها، ومن هؤلاء: أبوبكر الصديق "رضي الله عنه" ، وعمر بن الخطاب "رضي الله عنه" الذي أُعطي أرضًا نفيسة بخيبر، ومنهم ربيعة الأسلمي، وأعطى أبوبكر "رضي الله عنه" في خلافته أرضًا زراعية لطلحة بن عبيدالله، وأرضًا أخرى لعيينة بن حصن، وأرضًا ثالثة للزبير بن العوام.

وتوسع عمر في توزيع الأراضي ليقوم الناس بإحيائها وزراعتها واستثمارها، فأعطى سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد- رضي الله عنهم- وآخرين.. وكذلك فعل من بعده من الخلفاء (عثمان وعلي).

الفلاحة في العصر الاموي و العباسي

كان للحضارة الإسلامية أثرها البالغ في مختلف الجوانب ولعل منها الجانب الزراعي ، فالدولة الإسلامية عبر التاريخ إشتهرت بزراعة الحبوب والفواكه والقطن والأزهاروالخضروات والنباتات المختلفة التي تُعد مصدراً للأدوية والعقاقير، وكانت تعمل على توفير مياه الري واستصلاح الأراضي وتيسير نقل المحاصيل. وقد أدخل العرب تحسينات كثيرة على طرق الحرث والغرس والري، وهذا ماجعل الأندلس مثلاً في عهدهم (جنة الدنيا) ومن هنا نقل الأوروبيون الكثير من الزراعات وطرق الري إلى أوروبا واهتموا بها ليحظوا بمثل ذلك التطور الزراعي الإسلامي ولذلك كان التاثير واضحاً هنا من خلال هذا النقل والتقليد.

وفي العصر الأموي ولما استتب الأمر لبني أميه أٌمر الولاة بمسح الأرض الزراعية لجباية الخراج والزكاة، وقاموا بشق الترع وإصلاح المجاري وتشجيع الزراعيين على إحياء الأرض البور، وقد اشتهر زياد بن أبيه بأنه كان يقطع للرجل قطعة من الأرض ثم يمهله مدة عامين، فإذا أصلحها واستثمرها أصبحت ملكًا له وإلا استردها منه، وقد ازدادت في زمن الأمويين زراعة أنواع الحبوب والقطن وقصب السكر، كما ازداد غرس الأشجار المثمرة كالكرمة والزيتون والنخيل، وفي العصر الأموي أيضا بدأ إنشاء الحدائق والبساتين، فشيد الخليفة هشام بن عبدالملك سد طريقة وبجواره عدد من البساتين المثمرة، وفي العصر الأموي كذلك أقام الحجاج بن يوسف الثقفي الترع والجسور وأنشأ القنوات واستصلح الأراضي البور وزاد من الرقعة الزراعية في دولة بني أمية.

وفي العصر العباسي، ولازدهار ورخاء الحياة ظهرت الزراعة البستانية لتزيين القصور، وحينما بنى المعتصم مدينة سامراء لم يفته كما يقول اليعقوبي العناية بإنشاء الحدائق الغناء والبساتين، يقول المستشرق رامبو: لم يكن في عصر العباسيين أهم من مهنة الفلاحة، فقد أظهر العرب بمهارتهم مزايا فواكه الفرس وأزهار إقليم زندران، وقد أغنوا العلم- ولاسيما علم النباتات-بمسائل جديدة كثيرة.

أهمية الزراعة في الحضارة الاسلامية.

أصبح العرب في العصر العباسي أول العارفين بالزراعة وأحسن العمال، وأصبحت الزراعة التي أخذوها من أساليب بابل والشام ومصر علمًا حقيقيًّا للعرب أخذوا نظرياتها من الكتب ثم وسعوها بتدفقاتهم وتجاربهم وكانوا يطبقونها بمهارة، ولا تستنكف أعلى الطبقات عن العمل بأيديهم في زراعة الأرض، وكان غيرهم يحقرها ويعدها عملًا مهنيًّا، وقد روى دوزي أن ابن الخطيب لم يكتسب من غير الفلاحة مالًا، وقد أقام من أعمال العمران ما يحسده عليه أعظم طواغيت الزمان.

وفي العصر العباسي أيضًا كان هناك اهتمام بالفلاحة العلمية التجريبية، فلم يعتمدوا فقط على النظريات الزراعية بل تابعوا العملية العلمية الزراعية من أولها إلى آخرها بدءا بالحرث وإعداد الأرض والعناية بالزروع ثم الحصاد والتخزين ومعالجة الآفات والأمراض، ثم تصنيع المزروعات، وبرع العرب في تخير الأرض ثم استنباط المياه لأنها أساس العمل الزراعي.

الثورة الخضراء الإسلامية

'الثورة الزراعية العربية (المعروفة أيضًا باسم الثورة الخضراء في القروسطية، والثورة الزراعية الإسلامية ' والثورة الخضراء الإسلامية) هو مصطلح ابتدعه المؤرخ أندرو واطسون في بحثه لعام 1974 حول التحول الجذري في الـزراعة بين القرنين الثامن و الثالث عشر في بلاد المسلمين. كان هذا امتدادًا لفرضية سابقة حول الثورة الزراعية في إسبانيا الإسلامية تم اقتراحها قبل ذلك بكثير في عام 1876 من قبل المؤرخ الإسباني أنطونيا غارسيا ماسيرا.

يقول واتسون أن الاقتصاد الذي أقامه التجار الـعرب وغيرهم من التجار المسلمين في جميع أنحاء العالم القديم مكّن من انتشار العديد من المحاصيل والتقنيات الزراعية بين أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، وكذلك تكيف المحاصيل والتقنيات من وإلى المناطق الموجودة خارج العالم الإسلامي. وتم توزيع محاصيل من إفريقيا مثل سورغم ومحاصيل من الصين مثل الـحمضيات والعديد من المحاصيل من الهند مثل الـمانجو والأرز والقطن وقصب السكر، في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية، والتي لم تكن تزرع هذه المحاصيل من قبل، وفقًا لواتسون. كما أورد واتسون ثمانية عشر محصولاً من هذه المحاصيل التي تم نشرها خلال الفترة الإسلامية. ويقول واتسون أن هذه المقدمات مع زيادة الـميكنة الزراعية، أدى إلى تغييرات كبيرة في الاقتصاد والتوزيع السكاني والغطاء النباتي والإنتاج الزراعي والدخل ومستويات السكان والتمدد الحضري وتوزيع القوة العاملة والصناعات المرتبطة والطبخ والنظام الغذائي والملابس في العالم الإسلامي.

الفلاحة بالأندلس الإسلامية

كان أهل الأندلس من أنبغ الشعوب في فلاحة الأرض وتربية الماشية وغرس الحدائق وتنظيم طرق الري والصرف ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة وخواص النبات. وكانت مزارعهم وحدائقهم مضرب الأمثال في الجودة والنماء وقد نقل العرب من المشرق وشمال إفريقية إلى إسبانيا، كثيرا من المحاصيل والأشجار كالقطن والأرز وقصب السكر والزعفران والنخيل الذي ما زالت تزدان به الحدائق والمدن الإسبانية الجنوبية.

وكذاك الزيتون الذي غدا فيما بعد، وحتى اليوم، أعظم محاصيل إسبانيا، وكانت بسائط شبه الجزيرة الإيبيرية في أيامهم رياضا نضرة، وكانت حقول القمح وغابات الزيتون وحدائق البرتقال والرمان والكروم، من أبدع ما ترى العين في وديان الأندلس ومروجها، وأما نبوغ مسلمي الأندلس في تنظيم وسائل الري والصرف واستجلاب المياه وتوزيعها بالطرق الفنية، فما زالت تشهد به آثارهم الباقية إلى الآن في وديان الأندلس، من القناطر والجداول الدارسة، وما زالت ثمة مناطق كثيرة ولاسيما في أحواز بلنسية ومورسيا تقوم في زراعاتها على مشاريع الري الأندلسية القديمة. وكان لأهل الأندلس شهرة خاصة في غرس الحدائق وتنظيمها، وقد كانت حدائق الرصافة والزهراء والزاهرة وطليطلة وإشبيلية بدائع تشهد لهم بوفرة البراعة وحسن الذوق، وكانت روعتها مستقى لخيال الشعراء والكتاب، وما زالت هذه البراعة حتى اليوم، عَلـَما على جمال الحدائق الأندلسية.

ثرات علماء المسلمين في الزراعة

لا يخفى على المهتمين بالشأن الفلاحي ما أسهمت به الاندلس الاسلامية في تقدم علوم الزراعة والري في أوروبا ، بل نجد الغرب ينسخ كل ما وقعت عليه يده من مخطوطات علم الفلاحة الأندلسية للإستفادة من إبداعات و علوم علماء المسلمين في الزراعة.

كانت الأندلس والمغرب العربي متخلفين علميًّا وحضاريًّا عن مشرق العالم الإسلامي في مجال الزراعة حتى أول القرن التاسع للميلاد، ولما تولى الخلافة عبدالرحمن الناصر سعى إلى تدارك هذا القصور، وذلك بإرسال البعثات العلمية إلى الشرق العربي للدراسة في بغداد ودمشق والقاهرة، وجلب الكتب المؤلفة والمترجمة إلى العربية، وكانت هذه البعثات بداية لنهضة علمية زراعية في الأندلس حتى ظهر في الأندلس علماء أجلاء قاموا على علم وادخلوا الجديد في الطرق الزراعية، وفي تلك الأثناء ظهرت مدرستان في علم الزراعة في الأندلس:
الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة
الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة 

الأولى، اهتمت بعلم العقاقير والنباتات الطبية، وكان من روادها ابن جلجل وابن وافد وابن سمجون والغافقى وابن ميمون وابن البيطار.

والمدرسة الثانية، اهتمت بعلم الفلاحة والنبات، وكان من روادها ابن بصال الطليطلي وابن حجاج الاشبيلي والحاج الغرناطي وابن العوام والشريف الإدريسي وأبوعباس النباتي، ثم حدثت نهضة غير مسبوقة في الأندلس في هذا المجال فعمرت المدن وكثرت الخيرات وانتشر العلم حتى كان في قرطبة وحدها دكان نسخ واحد يستخدم مائة وسبعين جارية في نقل المؤلفات لطلاب الكتب النادرة، وكان في قصر الخليفة أربعمائة ألف كتاب صنفت في شتى العلوم جميعها .

يقول رتشارلس سينوبوس في كتابه تاريخ الحضارة: جرى أمراء العرب على أصول إسقاء الأرض بفتح الترع، فحفروا الآبار وجازوا بالمال الكثير ممن عثروا على ينابيع جديدة، ووضعوا المصطلحات لتوزيع المياه بين الجيران، ونقلوا إلى أسبانيا أسلوب النواعير لتمنح المياه والسواقي التي توزعها، وان سهل «بلسنة» الذي جاء كأنه حديقة واحدة هو من بقايا عمل العرب وعنايتهم بالسقيا، كما أن العرب استعملوا جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم وحملوا كثيرًا من النباتات إلى صقلية وأسبانيا، وربوها في أوروبا فأحسنوا تربيتها حتى لتظنها متوطنة وذلك مثل الأرز والبطيخ والقنب والمشمش والبرتقال والكبار والنخيل والهليون والزعفران والبطيخ الأصفر والعنب والعطر والورد الأزرق والأصفر والياسمين بل والقطن والقصب.

ولقد اشتغل ثلة من المستشرقين بنشر التراث العلمي في علم النبات والفلاحة والحيوان وغيرها لحاجات علمية أحيانا وتنموية أحيانا كثيرة، نظرا لما يحويه هذا التراث من تجارب علمية مفيدة في التطبيقات الزراعية المعاصرة، ومن تأسيس نظري ومنهجي لهذه العلوم، يتضمن أصولا علمية وقواعد عملية وقوانين تجريبية أثرت بشكل مباشر على النهضة الغربية في بلاد الغرب.

فنشروا كتبا مهمة وترجموها إلى لغاتهم، بينما بقيت مجهولة بين القوم الذين أنتجوها ابتداء. ومن ابرز هذه الكتب كتاب (الفلاحة الأندلسية) لأبي زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوام الإشبيلي (ت 580 ه/ 1184م)، الذي يعتبر موسوعة علمية ضخمة في مجال علم الفلاحة، نشره مع ترجمة إلى الإسبانية ومقدمة علمية سنة 1802م جوزيف أنطونيو بانكيري J. A. BANQUERI ، وترجمه إلى الفرنسية ترجمة ناقصة كليمون مولي J. J. Clément-Mullet في الفترة بين عامي 1864 و 1867، وكان قد ترجم قبل ذلك إلى اللغة التركية عام 1590 من قبل محمد بن مصطفى، ويوجد نسخة من هذه الترجمة في المكتبة العامة باستانبول في قسم ولي الدين تحت رقم 2534 ، ونسخة أخرى في مكتبة بورصا العامة في تركيا حسب ما يفيد بروكلمان. كما ترجم إلى لغات أخرى كالإيطالية والانجليزية والأردية. ولم ينشر الأصل العربي محققا إلا سنة 2012

وكان ابن بصال الطليطلي من أوائل من ألف في الفلاحة، ومارسها في بلده طليطلة علمًا وعملًا، بحيث كان ينتقل من الدراسة النظرية إلى العمل التجريبي، يذكر محققا كتاب الفلاحة لابن بصال (كتاب الفلاحة، نشره وترجمه وعلق عليه: خوسي مارية مياس بييكروسا، ومحمد عزيمان معهد مولاي الحسن، تطوان 1955م)، الإشارات المتعلقة بابن بصال في كتب معاصريه ومن جاء بعده من المؤلفين مرتبة ترتيبا تاريخيا مبتدئين بكتاب النبات لأبي الخير الأشبيلي -المجهول المؤلف زمن نشر كتاب ابن بصال- الذي عنوانه "عمدة الطبيب في معرفة النبات لكل لبيب"، وهو الكتاب الذي قام المستعرب آسين بلاسيوس بدراسته، وقد ألف كتابه بعد سنة 488هـ / 1095م، وأبو الخير الأشبيلي يردد بين حين وآخر صدى مذكرات جرت بينه وبين ابن بصال في الأندلس على ما يظهر، ولعلها كانت في قرطبة أو إشبيلية حيث توجه ابن بصال بعد سقوط طليطلة في يد المسيحيين الصليبيين سنة 478هـ / 1085م.

ويعتبر كتاب ابن بصال أحد أهم الكتب التي وصلتنا في مجال الزراعة الأندلسية، ويضم الكتاب جميع ما يتعلق بفن الزراعة، والواقع أنه لم يكن ببلاط المأمون بن ذي النون للشعر والأدب دولة زاهرة، كما كان الشأن في إِشْبِيلِيَة وبطليوس، بيد أننا نجد أكابر شعراء العصر وعلمائه يعيشون في ظلِّ المأمون، وكان من هؤلاء شاعره ابن أرفع رأسه، صاحب الموشحات المشهورة، والعلامة الرياضي ابن سعيد مؤلف تاريخ العلوم المسمَّى طبقات الأمم، وكان يُلقي دروسه في المسجد الجامع، والعلامة النباتي ابن بصال الطليطلي.

قام كذالك كل من خوسيه مارية مياس بييكروسا، ومحمد عزيمان بنشر مقالين في مجلة الأندلس عام 1362هـ / 1943م، درسا فيهما الترجمة الإسبانية لكتابين عربيين في الزراعة، أحدهما "مجموع في الزراعة "للطبيب والنباتي الطليطلي أبي المطرّف عبد الرحمن اللخمي، المعروف بابن وافد، والثاني كتاب "القصد والبيان" لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن بصّال، المعاصر لابن وافد، ولم يكن الأصل العربي للكتابين معروفًا، فظلاّ الرجلان مجهولين عند معظم الباحثين، ولم تكن توجد إلا إشارات عابرة لكتاب ابن بصال في كتابات بعض المؤلفين المتأخرين، وإذا لم تكن الترجمتان تامتان، فإن لهما أهمية علمية وتاريخية لا غبار عليها.

مكافحة الأمراض الزراعية


كان العرب والمسلمون اعلم الأمم بالزراعة إبان ازدهار حضارتهم، فقد عرفوا تفصيلًا وإجمالًا أهمية خدمة الأرض وأثرها في القضاء على الآفات الزراعية خاصة البادرات الحشرية، وذلك من خلال تقليب التربة وتعريض الآفات فيها للظروف الجوية غير الملائمة، إضافة إلى التخلص من الحشائش الضارة والأدغال النامية في الحقول.

واستخدم العرب والمسلمون المبيدات الحشرية الكيميائية في مكافحة الآفات الزراعية والسيطرة على الحشرات الضارة في صورة طعوم أو سوائل ترش أو غازات بواسطة التدخين وكانت هذه الطرق مقسمة إلى تلاتة أقسام :

- المبيدات المرشوشة: عرف العرب المبيدات المرشوشة واستخدموها بتوسع، فمثلًا كانوا يستخدمون ثمرة الحنظل بعد نقلها من الماء لرش البيوت بها لقتل البراغيث، كما كانوا يرشون البيوت بالماء المذاب به النشادر لقتل جميع الهوام.

- المواد الكمياوية الطيارة (التدخين): استخدم العرب في التدخين موادًّا كيماوية طاردة طيارة سريعة التبخر من اصل نباتي، كثيرًا ما تكون غير سامة وليس لها أي تأثير ضار على الإنسان والحيوان والنبات، فقد استخدموا الكبريت المدخن لطرد البراغيث، وبخروا البيوت بالكزبرة لطرد الحيات والعقارب.

- المبيدات الحيوية: العرب أول من استخدم المبيدات الحيوية من ذلك ما استخدم في ربوع اليمن منذ آلاف السنين، عندما استجلبوا نوعًا من النمل الصحراوي المفترس على أنواع الحشرات التي تصيب النخيل والتمر ومازالت هذه الطريق مستخدمة في بعض الدول العربية إلى الآن.

الفلاحة التجريبية في الأندلس

من الممارسات التي تدفع الكثير من الاهتمام في ذلك الوقت كان انتاج نباتات المشتل. فقد برع في ذلك العالم "بن ابو زكريا" الذي كتب كتاب "الفلاحة" خلال فترة العصور الوسطى والذي احتوى على اكثر التفاصيل التي كتبت عن الهندسة الزراعية في حينه وقد ترجم الى الاسبانية تحت عنوان "مسلم من الاندلس" وقد استفاد منها المزارع الاسباني وخاصة فيما يتعلق بزراعة الحمضيات وبعض الممارسات التي لا تزال تطبق لغاية الان.

اما في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر فقد قام العالم "ابو الخير" بتأليف كتابة عن الفلاحة وتطرق فيه عن الكسب غير المشروع في الفلاحة الامر الذي يتطلب معرفة دقيقة بالطبيعة والاشجار والمواسم. وقام بتصنيف الانواع الاساسية من الاشجار مثل الاشجار الزيتية كالزيتون والغار والاشجار الراتنجية كاشجار اللوز والخوخ والبرقوق والاشجار الحليبية كاشجار التين والتوت والعنب والرمان.

كما ذكر العالم "ابن البصال" بعض تصنيفات النبات حسب نجاح او فشل الطعوم فيها. حيث صنف النباتات الى 4 مجموعات واضاف مجموعة خامسة تتكون من النباتات المائية دائمة الخضرة. وقام بتصنيف النباتات حسب المناخ الى 7 مجموعات ووضعت الحمضيات (البرتقال والليمون) كاشجار مناسبة للبيئة الاندلسية.

اما بالنسبة للمعلومات الخاصة بالاسمدة فقد اهتم بذلك كل من ابن العوام وابن البصال وابو الخير في عمليات تحديد اوقات الاستخدام وانواع الاسمدة حسب مصدرها والفوائد المختلفة لها سواء كانت طازجة او مختمرة وسواء كانت من الماعز او الخيول وحول اعطاء افضل النتائج المرجوة بالنسبة لنمو النباتات والاشجار المزهرة او المثمرة.

اما بالنسبة لتقنيات ري الحقول فقد برع المسلمين في ادخال التقنيات الحديثة للري والاستمرار في تطويرها واصبحوا خبراء على مستوى العالم في استخدامات التقنية الهيدروليكية الزراعية وخاصة استخدام المياه المعلقة واكبر دليل على ذلك استمرار استخدام الاسماء العربية الخاصة بالري ولا زالت تستخدم لتاريخة مثل كلمات محطات المياه او السقي او الشرب او كتف الساقية او الخب او دفعة المياه.... الخ.

تنويع المنتوج الفلاحي في الاندلس

وادخل المسلمون نبات التين والذي اصبح مشهورا في الاندلس الى درجة اصبح يتم تصديره الى الشرق العربي من خلال مدينة القسطنطينية وخاصة في زمن القائد المسلم عبدالرحمن الثاني. واستقدموا النارنج من شرق اسيا حيث كان يستخدم لحفظ الاطعمة ولانتاج العصائر ومن ازهاره تستخرج خلاصات لصنع العطور. ووفقا لما ذكره ابن البصال في اواخر القرن الحاي عشر حول طريقة اكثار الحمضيات بالبذور حيث زرعت البذور في يناير وفبراير وبعد عام على ذلك تزرع في اواني اكبر حجما لتنمو في السنة الثانية.

الجدير بالذكر أيضا هو إدخال محصول قصب السكر في القرن العاشر في منطقة فالنسيا وادخال الرز والبطيخ الخراساني وكذلك الترمس والقطن والمشمش والموز والياسمين وغيرها الكثير.

وعموما فان الشجرة الاكثر انتشارا في الاندلس كانت شجرة الزيتون وسبب انتشارها ان زيت الزيتون ادخل في معظم وجبات المطبخ الاندلسي ولكن بعد طرد المسلمين من اسبانيا جرى الاستعاضة عن زيت الزيتون بشحم الخنزير والذي استمر استخدامه حتى وقت قريب.

واهم فاكهة سورية (الرمان) احضرها المسلمون للاندلس واصبحت رمز لاسبانيا المسلمة وذكرها ابن العوام في كتاب الفلاحة في القرن الثاني عشر وذكرها النبي محمد واثنى عليها واول ما زرعت بالقرب من إشبيلية وسميت المنطقة مدينة الرمان، والاهتمام المتزايد بها من قبل المسلمين هو ان الذي يأكلها لا يشعر بالغل والحسد.

تلك كانت جهود سلفنا الصالح في مجال تطوير الزراعة، التي أفادوا بها البشرية، وهي تظهر لنا أنهم لم يقصروا جُهدهم على تقديم الزاد الروحي فقط - كما يظن الكثيرون - وإنَّما قدموا معه زادًا ماديًّا؛ ليجمعوا للناس بين خيري الدنيا والآخرة ، فمازالت علومهم تضيء سماء البشرية للمزيد من الخير و الرخاء.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »