أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس

 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس

أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس


انتشار الحدائق في مدن الإسلام

أشار الله في كتابه الكريم إلى وظيفة أخرى تؤديها الأشجارغيرالفوائد الحيوية المعروفة من كونها غذاء للإنسان والحيوان، أو رئة تتنفس بها البيئة والحدائق في حياة الإنسان ووجدانه، فقال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60].

كان لتصوير القرآن الكريم والسنَّة المطهرة للجنة، بما تحتويه من متع حسية ومعنوية، إلى جانب محاولة التغلب على الظروف الصحراوية القاسية..فمن الآيات الكريمة التي استوحى منها المسلمون الموضع النموذجي لاختيار الحدائق والجنات الأرضية قوله I: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265].

فقد التفت المسلمون هنا إلى إشارة دقيقة حيث أوضحت الآية الكريمة أن الموقع الأمثل للحدائق والبساتين إنما يكون بالأماكن المرتفعة من الأرض (الربوة)؛ فهذا يجنِّب الأشجار التقاء جذورها بالمياه الجوفية التي تحد من نموها، كما أنه يساعد على جودة الصرف والتخلص من المياه الزائدة.

كان لتلك العوامل مجتمعة أثر قوي في دفع المسلمين لمحاكاة هذا التصوير المثالي في تصميم وتنسيق الحدائق الإسلامية؛ فالحدائق -بصفة عامة تعكس العلاقة بين الإنسان والطبيعة، أما في العالم الإسلامي فتضاف رؤية أخرى لمفهوم الحدائق من حيث كونها صورة تعبر عن الشوق الإسلامي العميق للفردوس أو الجنة، وقد تميزت العمارة الإسلامية بما يمكن أن نطلق عليه: "النظرية الفردوسية"، في محاولة لإيجاد حدائق وجنات أرضية داخل بيئات تتسم بظروف مناخية قاسية، بغرض تحسين وتجميل هذه البيئة.

لذلك تميَّزالحسُّ المعماري الإسلامي بإرتباطه الوثيق بجمال الطبيعة فكان لامتلاء القرآن والسُّنَّة بالصور الباهرة انعكاس ملموس على الحضارة الإسلامية، إذ لم تَخْلُ حاضرة أو مدينة من مدن الإسلام في المشرق ولا المغرب من الحدائق الرائعة، بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب، منها ما كان في الأندلس، وتركيا، والشام، وفارس، ومصر، وسمرقند، والمغرب، وتونس، واليمن، وعُمان، والهند، وغيرها.

كانت الخصوصية هي أهم ما يميز الحديقة في العصر الإسلامي؛ ولذلك أحيطت الحدائق بالأسوار العالية أو أشجار النخيل لحجب المناظر الداخلية.. وقد غلب على تخطيطها التقسيمات الهندسية، كما اهتم المسلمون في حدائقهم باستخدام المياه بصور متنوعة ومتميزة.

حدائق الأندلس

نقل العرب إلى الأندلس ، فيما نقلوا من المعارف والعلوم وفنون الحضارة، نباتات كثيرة لم يكن يعرفها قبلهم أهل إسبانيا. ذلك أن التجارب العميقة، المتراكمة عند الأمم المفتوحة، في مشرق الإمبراطورية العربية الإسلامية ومغربها، كانت قد أخذت في التفاعل، وبالتالي في الانتقال شيئا فشيئا من قطر إلى قطر، يحملها معهم أبناء الدين الجديد.
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس


انتشرت في الأندلس الحدائق الغنّاء وزُينت بالأشجار العملاقة والحيوانات النادرة..في قرطبة أنشأ صقر قريش عبد الرحمن الداخل حديقة الرصافة، التي تُعد من كبرى الحدائق في الإسلام، كانت مدينة غرناطة تحيطها أسوارها من الخارج البساتين والحدائق وفي داخل المدينة تجد حدائق قصر الحمراء التي تعد أفضل مثال لحدائق الحضارة الإسلامية، وحدائق جنـة العريف التي أقيمت على سفح ربوة رائعة، وقد صمَّمها المسلمون على هيئة مدرَّجات لا يتعدّى عرضُ أوسعها 13 مترا، ولا يزيد عددها على ستّة مستويات، وينهمر الماء من أعلى الحديقة من عيون تصبُّ في قنوات تمر عبر الأشجار..

يعترف جيمس دكي حين حديثه عن الدُّور الصغيرة في غرناطة بأنه "مع أن أغلب تلك الدور صغير إلا أن فيها جميعًا مياهًا جارية وزهورًا وورودًا عبقة وشجيراتٍ ووسائلَ راحة كاملة، تبرهن على أن هذه الأرض عندما كانت في يد الموريين (المسلمين) كانت أكثر جمالاً مما هي عليه اليوم".
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس

وتميزت الحديقة الأندلسية باستخدام النباتات دائمة الخضرة، والنباتات والأشجار ذات الروائح الزكية وباستخدام الزهور الجميلة كالبنفسج والياسمين.

رصافة الأندلس أكبرحدائق الاسلام

امتدت رقعة الدولة الإسلامية لتشمل -في العهد الأموي- بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا وجنوب أوربا (الأندلس وجنوب فرنسا). وما إن تم للمسلمين الاستقرار في هذه المناطق حتى بدءوا يخططون المدن ويقيمون فيها القصور الفخمة، وغدت الحدائق وتنسيق الأفنية الداخلية في المساكن والمباني العامة -من ذلك الحين- عنصرًا أساسيًّا في مباني المدينة الإسلامية.

في الأندلس أن العمارة الإسلامية هناك كانت تدمج العناصر الطبيعية (من الماء والنبات) في كل مبانيها، خاصة القصور، وتميزت الحديقة الأندلسية باستخدام النباتات دائمة الخضرة، والنباتات والأشجار ذات الروائح الزكية، وباستخدام الزهور الجميلة كالبنفسج والياسمين.

عبد الرحمان الداخل ( صقر قريش)

في قصر الإمارة في رصافة الشام، قضى عبدالرحمن طفولته وشب عن الطوق. فلما قدر له أن يتملك الأندلس أسس الدولة الأموية بالأندلس عام 138هـ وهو ابن خمسة وعشرين ربيعا، واهتم اهتماما كبيرا بالإنشاء والتعمير وتجميل مدينته، ويستقر في قرطبة، رأى أن يبني قصرا للإمارة، اختار له موقعا، في شمالي العاصمة، وأطلق عليه- اسم "الرصافة"  قصر الرصافة التى ملأها بأغرب النباتات والأشجار، وكان يرغب فى أن يساويها بحدائق الرصافة التى أنشاها جده بالشام.

تُعد "الرصافة" من كبرى الحدائق في الإسلام، وكان قد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، وأسسها جده هشام بن عبد الملك -رحمه الله- وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، والتي ما إن تنجح زراعتها حتى تنتشر في كل بلاد الأندلس!!

قصة رمان الرصافة

و كان أول من نقل زراعة الرمان من الشام إلى الأندلس، و ي ذلك قصة طريفة تقول الرواية الأندلسية : إنه لما استتب الحكم لعبدالرحمن واتسقت له الأمور، بعث إلى الشام من يأتيه بأخته أم الأصبغ. وكان المبعوث هو ذلك المحدث الجليل "معاوية بن صالح"، أصله من حمص، قد دخل الأندلس قبل دخول الأمير عبدالرحمن، ونزل إشبيلية، وشهد تملك الفتى الأموي للبلاد.

لكن أم الأصبغ لم تستجب لهذه الدعوة الكريمة، وقد تعللت بقولها: قد كبرت سني، وأشرفت على انقضاء أجلي، ولا طاقة بي على شق البحار والقفار! وحسبي أن أعلم ما صار إليه (أخي) من نعمة الله!.
رمان الرصافة
رمان الرصافة


وانصرف الشيخ عائدا إلى الأندلس ، مصحوبا بهدايا، وصفتها إحدى الروايات الأندلسية بأنها "تحف أهل الشام " ، منها: رمان الرصافة، أرسلت "أم الأصبغ"، في هداياها إلى أخيها، شيئا من رمان الشام، وما درت أنها بذلك تنقل زراعته من مشرق إلى مغرب، وأن اسمها- عندما يقيض له أن يذكر في التاريخ- سيقترن بهذا الجانب من الهدية: الرمان!.

كان الأمير، تلك الساعة، في مجلس ضم خواص رجاله، أمراء ورؤساء وقادة، منهم "سفر بن عبيد الكلاعي"، من جند الأردن في الأندلس (وهو من الأنصار، أنصار رسول الله، الذين كانوا يحملون الألوية في غزواته صلى الله عليه وسلم، وظلوا يتولون حملها بين أيدي الخلفاء من بني أمية في الشام).

عرض الرمان، الواصل من الشام توا، على رجال الأمير.. وجلهم إما وافد من الشام، وإما منتم بأصوله إليها. وجعل جلساء الأمير يتداولون الرمان: فالذين كانوا قد عرفوا الرمان في بلد الآباء، أخذوا "يتذكرون الشام ويتأسفون عليها!"، كما يقول المؤرخ الخشني (من أهل القرن الرابع للهجرة، العاشر الميلادي)، والذين ولدوا في الأندلس ، أتيح لهم، في هذه السانحة، أن يتعرفوا الرمان برؤيته، أول مرة، في مجلس الإمارة هذا!.

أكل كل الحاضرين نصيبهم من الرمان .. إلا واحد، هو سفر الكلاعي، الذي احتفظ بنصيبه ، وقد "راقه حسنه وخبره" على قول شيخ مؤرخي الأندلس ابن حيان (من القرن الخامس للهجرة)، وسار به إلى حيث يقيم، في كورة "رية"، المنطقة الواقعة جنوبي قرطبة.

ولقد بدا أن لسفر الكلاعي معرفة، بالفلاحة، فأحب أن يستفيد من جزء الرمان هذا، بغير أكله والتمتع بلذاذة طعمه. فأكب عليه يعالجه معالجة الفلاحي المتقن فنه!.

وقد ذكر قامس الفلاحة " ابن العوام" نصا نباتيا ورد في أحد كتابه يقول: "تؤخذ رمانة نضجة، من أحسن أنواعها، وينثر حبها، ويعصر، ويؤخذ النوى، ويغسل بالماء، ويجفف، ويرفع في آنية جديدة، (ولا يفوته أن ينبهنا إلى أن الرمان) من الزراريع الضعاف" .

وبدا أن هذا هو ما اتبعه سفر في معالجته لذلك الجزء من الرمانة الذي حظي به في مجلس الأمير: نثر حب الرمانة الشامية النضجة، عصره، غسل النوى المتخلف بعد العصر، جففه، واتخذ له الحفائر على ما ينبغي، ثم نقل النباتات في مواعيدها، وانتظر سنوات حتى أزهرت الشجيرات، وعقد حملها وأثمر.

ويتابع ابن حيان: "حتى طلع شجرا، أثمر وأينع، فنزع إلى عرقه وأغرب في حسنه، فإذا هو أشبه شيء بذلك (الرمان) الرصافي!. فجاء به إلى عبدالرحمن. فسأل الأمير عنه، فعرفه وجه حيلته. فاستبرع (الأمير) استنباطه، واستنبل همته، وشكر صنيعه، وأجزل صلته، واغترس منه بمنية الرصافة وبغيرها من جناته.

وما لبث أن انتشر نوع هذا الرمان، واستوسع الناس في غراسه، ولزمه النسب إلى (سفر)، فصار يعرف إلى الآن (أي عصر المؤرخ ابن حيان) بالرمان السفري".

جمال قرطبة 
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس
 أكبر حدائق الإسلام رصافة الأندلس

إضافة إلى الحدائق والمتنزهات التي تزينها برك الماء المتدفق. في حدائق الرصافة، كانت قرطبة من أعظم المدن في العالم، بقصورها و حمامتها و طرقها المرصوفة بالحجارة ومحفوفة بطوارين على الجانبين، وكانت تضاء في الليل ولم يغفل الخلفاء والأمراء بعد عبد الرحمان الداخل بناء الجسور على الأنهار ومد قنوات مياه الشرب إلى المنازل والقصور والحمامات إضافة إلى الحدائق والمتنزهات التي تزينها برك الماء المتدفق.

فقد كانت قرطبة في أيام الحاجب المنصور (الوزير محمد بن أبي عامر) واحدة من أعظم المدن في العالم، ويقال إنها كانت تحتوي على مئتي ألف قصر وستمائة مسجد وسبعمائة حمام، وكانت طرقها مرصوفة بالحجارة ومحفوفة بطوارين على الجانبين، وكانت تضاء في الليل حتى يقال إن المسافر كان يستطيع أن يسير على ضوء المصابيح وبين صفين من المباني مسافة عشرة أميال.

كان حكام الأندلس يميلون إلى تزيين ساحات قصورهم بحدائق بديعة، ورد ذكر الكثير منها في وثائقهم وتواريخهم وأشعارهم وفي مقدمتها حدائق الأبنية التي أقامها عبد الرحمن الداخل. وبهذا بدت القصور موئلاً لهذا الفن الإبداعي القائم على أسس علمية وهندسية.

وحتى لما انتهى العصر الذهبي لقرطبة وبدأ عصر ملوك الطوائف، تصف إكسبيراثيون سانشيز – أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة غرناطة – المشهد عن الحدائق في الأندلس فتقول: “عقب تفسخ الخلافة ونشوء ممالك الطوائف لم يتأخر الحكام الجدد في تقليد عادات الخلفاء السابقين، فكثرت تلك الحدائق في كل قصر من قصور الحكم الجديدة… وكان لكل واحد من تلك البساتين عالم في الفلاحة يشرف عليها”.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »