محمد بن أمية و انتفاضة الموريسكيين

محمد بن أمية و انتفاضة الموريسكيين
محمد بن أمية و انتفاضة الموريسكيين

محمد بن أمية و انتفاضة الموريسكيين

 تسليم غرناطة

لما سقطت غرناطة بمعاهدة تسليم المعقودة بين أبي عبد الله الصغير والملكين الكاثوليكيين ، واضعا بذلك نهاية للحكم الإسلامي في الأندلس الذي دام ثمانية قرون ، تضمنت شروط التسليم تَعهُدَ السلطات الإسبانية باحترام عقائد وعادات المسلمين الأوروبيين في الأندلس والذين يقدرون بالملايين . ولكن ذلك السلطان المسكين نسي أن أولئك القوم ، لا يلتزمون بعهودهم أبدا، ولعله اطمأن على التزام المسيحيين بتلك الإتفاقية بعد أن طلب من بابا الفاتيكان نفسه أن يوقع عليها، وطبغا وقع البابا على تلك الإتفاقية ، التي ما لبث أن نكث بها بعد خروح السلطان مباشرة ،غدراً وخيانة !

وما هي إلا أيام حتى طرد المسيحيون اليهود اَلذين كانوا يعيشون في الأندلس بأمان وسلام في ظل حكم المسلمين ، و أصدر الملكين الصليبين إيزابيلا و فرديناند و أمر اً ملكي اً بتنصير كل الموريسكيين ، والموريسكيون : هم المسلمون الإسبان الذين بقوا في بلادهم ظنا منهم أنهم سيلاقون المعاملة الحسنة من إخوتهم الإسبان المسيحيين المشتركين معهم في القومية .

هولاء الموريسكيون المساكين ، كانوا ضحية أكبر عملية إجرامية شهدها التاريخ الإنساني منذ خلق الله ادم وإلى يومنا هذا ، فلقد رفض الموريسكيون تغيير دين الإسلام ، فحاول القساوسة في البداية أن يغر وّهم بالطرق السلمية لتنصيرهم ، ولكن هيهات ! عند ذلك بدأ الإسبان عملياتهم القذرة و الحقيرة بقتل و تعذيب المسلمين الموريسكيين، و تنصيرهم عنوة بما سمي بمحاكم التفتيش و ديوان التحقيق
.
فضاعة التعذيب (محاكم التفتيش)

بمشورة من كبيرالقساوسة الكاثوليك الكاردينال )ثيسنيروس( بإصدار مرسوم مٍلكي تأمر إزابيلا فيه المسلمين الإسبان باعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد. لكنها فرضت على الراغبين في الرحيل

إتاوات وغرامات مستحيلة لا يملكها فقراء المسلمين ، ولكن الأنكى من ذلك أنها فرضت على كل من ينوي المغادرة من المسلمين التخلي عن أطفالهم الصغار ليتم تنصيرهم !

تفننت محاكم التفتيش في تعذيب و قتل المسلميين الأندلسيين رجالا و نساءا و أطفالا بمباركة ومشاركة الكنيسة الكاثولية كما ذكرنا وهنا ننقل شهادة الكولونيل الفرنسي ليموتسكي و هو يروي في مذكرته فضاعة ما رأى من معدّا ت خاصة بتعذيب المورسكيين :

"ثم انتقلنا إلى غرف أخرى ، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان ، عنرناعلى آلات رهيبة للتعذيب ، منها الات لتكسير العظام ، وسحق الجسم البسري، كانوا يبدأون بسحق عظام الأرجل ، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى ي هُشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخركتلة من العظام المسحوقة ، والدماء الممزوجة باللحم المفروم "

"من مذكرات الكولونيل الفرنسي ليموتسكي،

الذي كان أحد الذين أ كَتشفوا محاكم التفتيش"


أي إجرام هذا ، سيبقى وصمة عار في تاريخ إسبانيا الصليبية و الكنيسة الكاثوليكية ، المهم هذا كله دفع الموريسكين لإخفاء إسلامهم وإظهار أنهم تنصروا، والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصرهم، نزولا على حكم القوة والإرهاب، مخلصين فى سرائرهم لدينهم القديم، ولم تستطع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا فى سبيل اعتناقه ضروباً مروعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضنى.

وإليك ما يقوله فى ذلك مؤرخ إسبانى كتب قريباً من ذلك العصر، وأدرك الموريسكيين وعاش بينهم حيناً فى غرناطة: " كانوا يشعرون دائماً بالحرج من الدين الجديد، فإذا ذهبوا إلى القداس أيام الآحاد، فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام، وهم لم يقولوا الحقائق قط خلال الاعتراف. وفى يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة فى منازلهم المغلقة، وفى أيام الآحاد يحتجبون ويعملون. وإذا عُمد أطفالهم، عادوا فغسلوهم سراً بالماء الحار، ويسمون أولادهم بأسماء عربية، وفى حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقى البركة، تنزع ثيابها النصرانية وترتدى الثياب العربية، ويقيمون حفلاتهم وفقاً للتقاليد العربية"

ثورة البشرات

كانت ثورة البشرات نذير فورة جديدة، من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة كما قدمنا، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت فى الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدنى والدينى، فإلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف فى الأملاك أو حمل السلاح وغيرها من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه، يشدد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها.

فانتفض المسلمون الموريسكيون في جميع أنحاء الأندلس ليعلنوها ثورة ضد النصارى ، قبل أن يستخدم هولاء المجرمون أبشع وسائل القتل في حق الموريسكيين لإخماد انتفاضاتهم الشعبية.

محمد ابن أمية أو (بالإسبانية: Fernando de Valor)

ولد محمد ابن أمية سنة 1520 لأسرة مورسكية من سلالة الخلافاء الأمويين في الأندلس، وكان المورسكيون يُجبرون على تعميد أبنائهم. وعمل فريناندو أومحمد ابن أمية قبل حرب البشرات عضوًا ببلدية غرناطة، وقيل إنه وُضع لفترة رهن الإقامة الجبرية لأنه استل خنجرًا ذات يوم في مبنى البلدية.

غير فرناندو اسمه إلى محمد بن أمية ، ليقود أروع انتفاضة عرفتها الأندلس بعد سقوطها، ليعيد توحيد ضفوف المورسكيين ، وليكؤن جيشا شعبي قوامه من المدنيين المورسكيين، ليحارب به الإمبراطورية الإسبانية ،ثم إنّ القوات الشعبية لمحمد بن أمية الأموي استطاعت من أن تحرر مدينة "ألمرية " ومدينة "مالقا" من أيدي النصاري الكستاليين، وللتذكير فقط : نحن نتحدث عن وقت سقطت
فيه الأندلس منذ اكثر من 75 سنة !

إستطاع القائد الإسلامي محمد بن أمية ، أن يشعل انتفاضة إسلامية في ربوع إسبانيا سميت في التاريخ ب"انتفاضة جبال البشرات "، والقصة بدأت عندما نقض الملك فيليب الثاني تعهداته السابقة التي قطعها على نفسه في معاهداته مع المسلمين (ربما ليشعل عمدًا جذوة ثورة إسلامية يتخذها ذريعة لطرد المورسكيين من جنوب إسبانيا)، وأصدر مرسومًا يفرض على المورسكيين نبذ أسمائهم العربية وزيهم المورسكي التقليدي، بل ويحرم التحدث بالعربية والأمازيغية، ويجبر المسلمين على تسليم أطفالهم إلى قساوسة مسيحيين لتنشئتهم على الدين المسيحي.

أدى تصاعد الاضطهاد ضد من بقي من المورسكيين في مملكة غرناطة السابقة إلى اندلاع ثورة مسلحة خطط لها من فرج بن فرج (سليل بني الأحمر، آخر من حكموا غرناطة من المسلمين) ومحمد بن عبو (واسمه المسيحي دييغو لوبيث)، مستغلين تذمر أهل البشرات من المرسوم الأخير، ومستعينين بملوك شمال إفريقيا.

وفي ليلة عيد الميلاد سنة 1568، اجتمع سرًا ممثلون عن مسلمي غرناطة والبشرات وغيرهما في وادي الإقليم (بالإسبانية: Vale de Lecrin) وأعلنوا تبرؤهم من المسيحية وبايعوا فرناندو دي بالور ملكًا لهم، واختار اسم ابن أمية كونه ينحدر من سلالة أموية، فتلقب به. وتم ذلك تحت شجرة زيتون المورو وتقع اليوم في مزرعة بالإسبانية: la haza del moro .

اتخذت الانتفاضة التي قادها ابن أمية شكل حرب عصابات ضد القوات القشتالية في جبال البشرات، وتزايد عدد الثوار باضطراد من أربعة آلاف رجل سنة 1569 إلى 25 ألف رجل في العام التالي (بينهم جنود من البربر والأتراك).

فاضطر الملك الإسباني "فيليبي الثاني لما أن يطلب العون من " إمبراطورية النمسا" لإنقاذ إسبانيا من ذلك الصقر القرشي ، وفعل اً استطاعت هذه القوات الإمبراطورية أن تقمع هذه الإنتفاضة الشعبية.

اغتيال محمد ابن أمية


عندما قام الإسبان بمذبحة سجن غرناطة حقنوا دم والد وأخ ابن أمية للضغط عليه، فأرسل ابن أمية رسالة إلى خوان النمساوي يعرض فيها عليه تسليمهما له مقابل ثمانين أسيرا مسيحيًا، وإلا انتقم من المسيحيين الذين تحت سلطته. فاتفق المجلس الحربي في غرناطة على عدم الإجابة، وأرغموا والد ابن أمية بالكتابة لابنه ناهيًا إياه عن متابعة الثورة ونافيا أية إساءة أو تعذيب.

فاغتنم ذلك بعض المسلمين المتعاملين مع الإسبان للعمل على قتله (وعلى رأسهم دييغو الوزير (بالإسبانية: Diego Alguazir)، أخ زوجة ابن أمية، وكانت بينه وبين ابن أمية ضغينة) فأخذوا يبثون الشك بين ابن أمية والمتطوعين القادمين من شمال إفرقيا .

فطلب ابن أمية إلى قائده محمد بن عبو ضم الأتراك إلى قوته والسير بهم إلى البنيول وانتظار أوامره. وكانت غاية بن أمية تحرير ميناء مطريل دون أن يتسرب خبر اتجاه قواته إليها إلى عدوه. فمر حامل الرسالة على أجيجر، فعلم دييغو الوزير منه مضمونها، فتامر مع كاتب ابن أمية في تزوير رسالة أخرى يأمر فيها بقتل حامل الرسالة الأولى. فوصلت الرسالة المزورة إلى ابن عبو هذا الأمر، وآمن بالشائعات التي نشرها العدو حول نية ابن امية مهادنة الإسبان لتحرير والده وأخيه. واعتقد المتطوعون أن ابن أمية قد خان، فقرروا عزله وإعدامه دفاعا عن الثورة.

وسار ابن عبو والمتطوعة الأتراك إلى مقر ابن أمية في لوشر، فقبضوا عليه وواجهوه بالتهم التي يتهمونه بها، وأطلعوه على الرسالة التي بيدهم. فتبرأ ابن امية من التهم الموجهة ضده، مؤكدًا لهم أن الرسالة مزورة، لكن دفاعه هذا لم يفده، فسجنوه في غرفة وكلفوا بحراسته دييغو الوزير ودييغو أركش ـ كاتبه ـ الذين قتلاه خنقًا في ليل 20 أكتوبر 1569.

عقب اغتيال ابن أمية بويع ابن عبو قائدًا للثورة واتخذ لقب مولاي عبد الله، ورغم أن الثوار حققوا بعض الانتصارات تحت قيادة ابن عبو، إلا أنهم سرعان ما خسروا ما كسبوه وقُتل ابن عبو بيد بعض أتباعه في مؤامرة دبرها الإسبان في أحد كهوف البشرات في 13 مارس 1571.

بعد نجاح الإسبان في قمع الثورة سنة 1571، نُقل جميع سكان البشرات تقريبًا إلى قشتالة وغرب الأندلس، وأخليت حوالي 270 قرية من سكانها المسلمين ووُطن في بعضها مسيحيون من الشمال الإسباني بينما تُرك البعض الآخر خاويًا على عروشه. وقد ترتب على هذا التغير الديموغرافي تدير صناعة الحرير لقرون تالية.

كما أمر فيليب الثاني بتشتيت شمل 80 ألفًا من مورسكيي غرناطة في أنحاء متفرقة من مملكته لتفتيت وحدة المجتمع الموريسكي وتسهيل دمجهم في المجتمع المسيحي، إلا أن العكس هو ما حدث، إذ كان لمورسكيي غرناطة المهجرين تأثير كبير في المورسكيين الذين سبقوهم بالتوطن الإجباري في المناطق التي نُقلوا إليها، والذين كانوا على وشك الاندماج فعليًا في تلك المجتمعات.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »