العالم الحُجّة ابن البناء المراكشي

العالم الحُجّة ابن البناء المراكشي
العالم الحُجّة ابن البناء المراكشي

العالم الحُجّة ابن البناء المراكشي

أنجبت الحضارة الإسلامية علماء ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية بالكثير من المؤلفات والإختراعات في مختلف فروع المعرفة، كابن العوام الاشبيلي وغيره كثير، واليوم نُسلط الضوء  على  عالم جليل يُعتبر إمام الرياضيات هو  ابن البناء المراكشي .

أبو أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المعروف بابن البناء المراكشي (654 هـ - 721 هـ / 1256 - 1321م)، عالم مغربي عربي برز بصفة خاصة في الرياضيات والفلك والطب، وكان متفنن في علوم جمة، كالتنجيم، والعلوم الخفية. قضى أغلب فترات حياته بمراكش، وهو معاصر للدولة المرينية. أسس ابن البنا المراكشي مدرسة علمية مهمة في المغرب، أكبّت على مدى قرون على تدريس مؤلفاته وشرحها وتداولها في مختلف جامعات العالم. وأطلقت "الناسا "وكالة الفضاء الأمريكية اسمه مؤخرًا على فوهة بركانية على سطح القمر.

مولده ونشأته

وُلِدَ ابن البناء عام (654هـ-1256م) بمراكش، أدخله والده الكُتَّاب فحفظ القرآن الكريم، ودرس الفقه والنحو والصرف والبلاغة والأدب على يد مشاهير العلماء هناك.

ثم اتجه ابن البناء إلى فاس، فدرس الطب والرياضيات والفلك والتنجيم، حتى برع في هذه العلوم، وكان يأتيه طلاب العلم من أنحاء البلاد المختلفة، وهذه النشأة العلمية -بلا شكٍّ- كان لها أثرها في تعميق ثقافته وسعة اطلاعه وعلمه؛ لذلك كان ابن البناء المراكشي نابغًا في العديد من العلوم، مثله مثل الكثير من المسلمين في ذلك الوقت، إلا أنه نبغ بشكل ملحوظ في علم الرياضيات؛ حيث إن اشتغاله بعلم الرياضيات أعطاه شهرة عالمية، فكان من السابقين في هذا المجال، حتّى لُقب بالعددي، نبغ في علم الرياضيات. كما قام بتأليف العديد من الكتب في هذا المجال، وقام باستنباط العديد من القواعد التي ما زال أثرها على علم الرياضيات موجودًا إلى اليوم.

لُقِّب ابن البنَّاء بهذا الاسم؛ لأن جده كان بنَّاءً، ولُقِّب بالمراكشيِّ لأنه وُلِدَ بمدينة مراكش ، تلقي علوم العصر من لغة وشريعة وفقه في مدينتي مراكش وفاس علي يد مجموعة من علماء العصر من أمثال ابي اسحاق الصنهاجي وأبي بكر الفلوسي وأبي موسي الشرناتي. في الفلك ابن مخلوف السجلماسي الفلكي. في فاس تلقي علوم الرياضيات علي يد معلمه ابن حجلة,و ظهر نبوغه منذ سن مبكر, فكرس حياته لتعلم علوم الرياضيات من حساب وجبر وهندسة.

مؤلفات وإسهامات ابن البناء المراكشي

اكسبه اشتغاله بالرياضيات شهرة عظيمة بين معاصريه, فنال الحظوة في بلاط دولة بني مرين في فاس فكان يستدعونه لإلقاء دروس الحساب والهندسة والجبر. كما اشتهر بالاعتماد على الأرقام الهندية المعروفة بالغبارية والأرقام الأندلسية المعروفة بالعربية, كما اشتهر بالجوانب التطبيقية في علم الحساب والموسيقي.

ولابن البناء المراكشي العديد من المؤلفات في علم الرياضيات، ومن أهم تلك المؤلفات كتاب (تلخيص أعمال الحساب)، ذلك الكتاب الذي كان سببًا في شهرة ابن البناء؛ حيث ظلَّ معمولاً به في المغرب حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي، كما أثار هذا الكتاب اهتمام العلماء في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

ويحتوي هذا الكتاب على بحوث مستفيضة عن الكسور وقواعد جمع مربعات الأعداد ومكعباتها، وقاعدة الخطأين لحلِّ المعادلات من الدرجة الأولى والأعمال الحسابية، وأدخل بعض التعديل على الطريقة المعروفة (بطريقة الخطأ الواحد)، ووضع ذلك في شكل قانون، وتوجد في الكتاب -أيضًا- طرق لإيجاد القيم التقريبية للجذور الصم، وقيم أخرى تقريبية للجذور التكعيبية لبعض المقادير الجبرية، وغيرها من المسائل الرياضية.

ولم تنحصر مؤلفات ابن البناء المراكشي في كتاب (تلخيص أعمال الحساب)، بل له العديد من المؤلفات، ولكن فُقِدَ معظمها ولم يبقَ منها إلا القليل؛ ومن تلك المؤلفات:

كتاب الأصول والمقدمات في الجبر والمقابلة، وكتاب الجبر والمقابلة، وكتاب اليسارة في تقويم الكواكب السيارة، وكتاب تحديد القبلة، وكتاب الإسطرلاب واستعماله، وكتاب أحكام النجم، ورسالة في التناسب، ورسالة في الجذور الصم جمعها وطرحها، وكتاب تنبيه الألباب، والتمهيد والتيسير في قواعد التكسير، والمقالات في الحساب، ومسائل في العدد التام والناقص، ورسالة في علم الحساب، ورسالة في علم المساحة، ومنهاج الطالب لتعديل الكواكب، وتلخيص أعمال الحساب، وكتاب رفع الحجاب عن علم الحساب، ورسالة في علم الجداول، ورسالة في كروية الأرض، ومقدمة في إقليدس، والمقالات الأربع، ورسائل خاصة بالتناسب ومسائل الإرث.

رفع الححاب عن وجوه أعمال الحساب تحقيق وتقديم ودراسة فلسفية لمحمد أبلاغ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،ظهر المهراز فاس، 1994. وقد صدر للأستاذين محمد أبلاغ وأحمد جبار كتاب بعنوان "حياة ومؤلفات ابن البنا" ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2001، يتضمن جرداً شاملاً لمؤلفاته.

مكانة إبن البناء المراكشي العلمية

نال ابن البناء المراكشي ثناء الكثير من العلماء؛ وذلك لما قَدَّمه من جهود كبيرة في تطوير علم الرياضيات، فيقول الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني فيتحدث عنه قائلاً: "أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي العددي أبو العباس ابن البناء، أخذ عن قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن علي بن يحيى المراكشي، وأبي عبد الله محمد بن أبي البركات المشرف، وأبي العباس أحمد بن محمد المعافري المدعو ابن أبي عطاء، وأبي الحسين بن أبي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يحيى المعقلي، وغيرهم. وكان فاضلاً عاقلاً نبيهًا، انتفع به جماعة في التعليم، وكان يعمل من بعد صلاة الصبح إلى قرب الزوال... وله من المصنفات: (التلخيص في الحساب)، و(اللوازم العقلية في مدارك العلوم)، و(الروض المريع في صناعة البديع)، وكتاب في الأوقات، وكتاب في الأنواء، وغير ذلك، واستمر ببلده يشغل الناس إلى أن مات سنة 721هـ".

وقد تحدَّث عنه ابن خلدون في مقدمته وتاريخه، وكان لا يذكره إلا بالإمام أبي العباس المراكشي؛ إجلالاً لقدره ومعرفةً بفضله، فيقول عنه إنه: "شيخ المعقول والمنقول، والمبرز في التصوف علمًا وحالاً... كان إمامًا في علم النجامة وأحكامها وما يتعلق بها".

وهذه الشهادات من كبار علماء الإسلام الأعلام؛ كابن حجر العسقلاني شيخ أئمة الجرح والتعديل، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، ومؤرخ المغرب العربي أبي العباس الناصري، تزيد من قدر ابن البناء المراكشي، وتؤكد جلالة علمه، وإتقان عمله، وجودة مؤلفاته؛ مما زاد من رفعته ومنزلته.

ويقول علماء الغرب؛عن ابتكاراته ومؤلفاته في العديد من علوم المعرفة، وبالتحديد في علم الرياضيات؛ فقد تُرجمت مؤلفاته إلى العديد من اللغات، مثل: الفرنسية والإيطالية والإسبانية، فقد أورد الأستاذ رونو -المدرس بمعهد الدراسات المغربية العليا (كليات الآداب)- مقالاً بمجلة المعهد ذكر فيه مؤلفات ابن البناء المراكشي، التي تزيد على اثنين وثمانين في مختلف فروع المعرفة، وكانت هذه المؤلفات سببًا في لفت الأنظار إليه؛ مما جعل الكثير من المستشرقين يَنْكَبُّون على مؤلفاته لترجمتها إلى العديد من اللغات المختلفة.

كما يؤكد جورج سارتون في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) أن كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البناء المراكشي يحتوي على نظريات حسابية وجبرية مفيدة، إذ أوضح العويص منها إيضاحًا لم يسبقه إليه أحد؛ لذا يرى سارتون أنه يُعتبر من أحسن الكتب التي ظهرت في علم الحساب. كما أن ديفيد يوجين سميث ذكر في كتابه (تاريخ الرياضيات) أن كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البناء يشتمل على بحوث كثيرة في الكسور، ونظريات لجمع مربعات الأعداد ومكعباتها، وقانون الخطأين لحلِّ المعادلة من الدرجة الأولى، كما يذكر فرانسيس كاجوري في كتابه (المقدمة في تاريخ الرياضيات) أن ابن البناء المراكشي قَدَّم خدمة عظيمة بإيجاد الطرق الرياضية البحتة.

وقام -أيضًا- المستشرق الأستاذ ماري بنقل كتابه (تلخيص أعمال الحساب) في مجلة إيطالية عام 1864م، كما قام الدكتور فوبكي بنقل جزء منه إلى الفرنسية بشرح القلصادي، ونشره بالمجلة الآسيوية عام 1863م.

ومن المؤسف حقًّا أن علماء الغرب عندما ترجموا كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البناء انتحلوا كثيرًا من الأفكار والنظريات الرياضية لأنفسهم، وبقي هذا الاعتقاد حتى القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، ولكن المستشرق الفرنسي اريسيتدمار كشف هؤلاء المنتحلين لنظريات ابن البناء المراكشي، من خلال ترجمته للكتاب إلى اللغة الفرنسية.

وفاة ابن البناء المراكشي


يعتبر ابن البناء المراكشي إمامُُ في علم الرياضيات ، كما كان لأفكار ومؤلفات ابن البناء المراكشي دور كبير في تطور علم الرياضيات، وهذا ما اعترف به علماء الشرق والغرب، توفي رحمه الله في مدينة مراكش عام 721هـ/1321م.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »