ابن العوام الاشبيلي قاموس الفلاحة

ابن العوام الاشبيلي قاموس الفلاحة
ابن العوام الاشبيلي قاموس الفلاحة
ابن العوام الاشبيلي قاموس الفلاحة

عندما نتحدث عن علماء المسلمين فنحن دائما نضع في أذهاننا صورة ذلك العصر الزاهي الذهبي الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية في كل أنحاء الأرض تقريبا ، تضيئها أسماء لامعة من العلماء في شتّى المجالات ، كالفارابي و ابن سينا وابن زهرو إبن المبارك و بن حنبل و غيرهم كثير كلُُّ حُجّة في مجاله.

و اليوم حذيثنا عن عالم مؤسس و قاموس في الفلاحة إنه إبن العوام، هو أبو زكريا يحيى بن محمد بن أحمد بن العوَّام الإشبيلي الأندلسي، عالم في الزراعة والنبات. كان يعيش في إشبيلية في القرن السادس للهجرة. وقد درس العلوم المنتشرة في عصره كالنبات، والحيوان، والطب، والفلك، والعلوم الزراعية القديمة.

ويذكر المؤرخون والجغرافيون العرب، أن مدينة إشبيلية، كانت تحيط بها ثماني آلاف قرية، وضاحية، ويروي نهر الوادي الكبير، جواد الكفير، أراضي إقليم إشبيلية، لينحدر إليه من جبال سيرا دي كازورلا، عبر إقليم قرطبة، إلى أن يصب مياهه في المحيط الأطلسي، وكان إقليم إشبيلية يمتد في زمن ابن العوام إلى جبال الأرك وقادس شرقاً وإلى وادي آنا غربا».

ويقول عنها ياقوت الحموي: «وإشبيلية وتسمى حمصة قريبة من البحر، يطل عليها جبل الشرف، وهو جبل كثير الزيتون وسائر الفواكه، ومما فاقت به غيرها من نواحي الأندلس زراعة القطن، فإنه يُحمل منها إلى جميع بلاد الأندلس والمغرب، وهي على شاطئ نهر عظيم، قريب في العظم من دجلة والنيل»، ويصف الإدريسي أشجار الزيتون في إشبيلية بالقول «وهذا الزيت عندهم يجتمع من الشرف، وهذا الشرف مسافة أربعين ميلا، وهذه الأربعون ميلا تمشي في ظل شجر الزيتون والتين، أوله بإشبيلية وآخره بمدينة لبلة».

نشأته و علمه

كان بن العوام أعظم علماء عصره ، فهو مؤسس علم الفلاحة والزراعة والبيطرة، وأول من وضع موسوعة في النباتات ومكافحة الآفات، وأول من ابتكر ما يعرف الآن بـ «التقويم الزراعي»، وطريقة الري بالتنقيط التي انتشرت في العصر الحديث.

ولد أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن العوام الأندلسي، بمدينة أشبيلية ببلاد الأندلس في القرن السادس الهجري. ونشأ في أسرة ثرية كانت تمتلك ضيعة خاصة وضاحية سميت باسم هذه الأسرة «ضاحية آل العوام» بإحدى ضواحي أشبيلية على الضفة اليُمنى لنهر الوادي الكبير الذي يصبّ في المحيط الأطلنطي. وأحبّ الزراعة منذ صباه، وكان كثير التردد إلى زراعات أبيه، يتفقد أحوال العمال ويقلّب في الثمار، ويتأمل أطوار النبات.

ساعده أبوه في الاتصال بأشهر علماء الأندلس في عصره والاستفادة بعلومهم، وإن لم يكن معظمهم متخصصاً في علوم الفلاحة أو فنون الزراعة، وهي عشقه الأول، ولذلك نشأ ابن العوام في هذا المجال نشأة عصامية. وكان ممن اطلع ابن العوام على مؤلفاتهم أبو الخير الأشبيلي الأندلسي، وابن الحاج الأشبيلي الأندلسي، ومحمد بن إبراهيم البصّال الأندلسي. كما درس على يد بعض علماء المشرق الإسلامي مثل ابن وحشية.

ازدهرفي زمن ابن العوام البحث الفلاحي في الأندلس فكانت هناك كتب :«الفلاحة» لابن بصال الطليطلي، وكتاب «مجموع في الفلاحة» لابن مهند اللخمي، وكتاب «المقنع في الفلاحة» لابن الحجاج الإشبيلي، وكتاب «زهرة البستان ونزهة الأذهان» لمحمد بن مالك الطنغري الغرناطي، هذا فضلاً عن مؤلفات عديدة في النباتات والأغذية والحدائق ونباتات الزينة وطرائق الري، الأمر الذي يؤشر إلى ازدهار كبير شهده علم الزراعة في ربوع الأندلس حتى في عهد ملوك الطوائف.

كتاب ابن العوام (كتاب الفلاحة)

يبلغ عدد صفحات كتاب ابن العوام 477 ورقة، ويبدؤه بمقدمة طويلة ضمنها بعض الأحاديث النبوية الشريفة مثل: «اطلبوا الرزق ولو في حنايا الأرض»، و«من غرس غرساً أو زرع زرعاً، فأكل منه إنسان أو طائر أو سبع كان له به صدقة»، و«من غرس غرساً فأثمر أعطاه الله من الأجر بمقدار ما يخرج من الثمر»، وأورد أمثالاً عربية عن الزراعة مثل: «تقول الضيعة لصاحبها: أرني ظلك أعمُر».

واستند ابن العوام في كتابه إلى الكثير من المراجع والمصادر، ورمز لمؤلفيها بحروف يذكرها في الكتاب، كلما دعته الأمانة لإسناد الرأي لصاحبه، فالغرناطي رمز له بالحرف «غ»، وجالينوس بالحرف «ج»، وأرسطو بالحرف «ط» وهكذا.

ويعتبر البعض أن ابن العوام اعتمد على اكثر من مئة مصدر في كتابه وتميز ابن العوام فضلا عن المنهجية الدقيقة والحديثة في طرائق البحث، بنزعة علمية، ففي كتابه يتوقف عند الكثير من المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالفلاحة، ليقدم تعريفات متكاملة لها، بإيراده لأقوال العلماء القدماء حولها، وفي هذا يقول: «وسقت نص أقوالهم على حسب ما وضعوها في كتبهم ولم أتكلف إصلاح ألفاظهم»، وعالج ابن العوام موضوع كتابه بلغة سلسة بعيدة عن التكلف والمحسنات والإطناب، وتطرق ابن العوام إلى موضوع التربة وأنواعها وطرائق تكونها، وتطورها بأسلوب يشبه إلى حد بعيد التفسيرات الجيولوجية.

وعارض ابن العوام من سبقه في التأليف في مجال الفلاحة، حيث لم يربطها بالطب والتداوي بالأعشاب، بل أسس لعلم رائد «لمن يريد أن يتخذ هذا الفن صنعة يصل بها بحول الله إلى معاشه، ويستعين بها على قوته وقوت عياله.... هذا واستوفيت القول فيه، يقصد الكتاب، بحسب الغرض المقصود، وابتعدت عن الاستعانة بآراء أهل الغباوة من أهل البراري الذين لا علم عندهم»، وتظهر نزعة ابن العوام التجريبية التي تؤكد ممارسته للفلاحة بيديه فضلاً عن تأثره بوسط تتعدد فيه الثقافات بالقول: «ونقلت أيضاً أقوال غير المسلمين، ولم أثبت شيئاً فيه إلا ما جربته مراراً فصح».

تتأكد نزعة ابن العوام التجريبية عندما يقول: «غرست نقلات زيتون بالشرف في موضع تراب كثير الرمل، ويحدث فيه ندوة كثيرة من ماء المطر بتراب آخر طيب منقول إليها فنجبت، وكان قد غرس قبل ذلك مرات في مواضع تلك النقل بأرض ذلك الموضع فلم تنجب»، وأيضاً يعود إلى خبرة غيره من المزارعين، واجمع الفلاحون على أن الأرض المنتنة لا خير فيها، وعن طريقة التسميد «يوضع تراب فوق الأصول ثم يوضع السماد فوقها ثم تغطى بطبقة من التراب».

يقدم ابن العوام تعريفاً عملياً للزراعة بالقول: «معنى فلاحة الأرض هو إصلاحها، وزرع النبات وغرسه فيها والقيام عليه بما يصلحه حتى تحصّل فائدته، ويكثر بمشيئة الله عائده»، وأحياناً تشعر أنك أمام ابن خلدون عندما تسمع ابن العوام يقول: «الفلاحة هي العمران ومنها العيش كله والصلاح جلّه».

كان ابن العوام أول من تكلم عن أن «النباتات كواشف للبيئة» أو ما يُعرف هكذا في العلم الحديث، كما قدّم دراسة مبتكرة فيما يعرف الآن بـ «التقويم الزراعي»، ووضع أسس فـن وعلم «تركيب النباتات» أو فن تطعيم النباتات، وكذلك هو واضع اللبنات الأولى لانتقـــاء الصفات الوراثية عن طريق التهجين بين أنواع النباتات وبعضها البعض والعديد من التطبيقات الزراعية الحديثة. وحرص ابن العوام على أن يحشد في كتابة عدداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحِكم والطُرف. واختلف العلماء في تاريخ وفاته بسبب الفترة الصعبة التي عاشتها الأندلس.

وقد نشر المستشرق بانكويري الكتاب بالعربية مع ترجمة إسبانية له في عام 1803، وكتب المستشرق مايرن خلاصة لهذا الكتاب، وفي المكتبة الوطنية في باريس وجدت النسخة الأصلية من الكتاب وترجمه إلى الفرنسية كليمان موليه في عام 1865، واعتبر المستشرق ألدوميللي في كتابه «العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي» ابن العوام واحداً من أطباء الأندلس بسبب حديثه عن الأعشاب الطبية وعن علاج الحيوان، وقال المستشرق الألماني ماكس ماير هوف عن كتاب الفلاحة: «هو أحسن الكتب العربية في العلوم الطبيعية وعلى الأخص في علم النبات وفي العالم العربي اهتم الكثير من الباحثين بابن العوام، منهم: أحمد عيسى في كتاب «تاريخ النبات عند العرب»، وعبد الحليم منتصر في كتاب «تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه...الخ».

وفاته

توفي إبن العوام رحمة الله عليه عام 1158م تاركا إرثاعلميا في البحث الفلاحي و مناهجه و نتائجه نفع به البشرية جمعاء .

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »