معركة الأرك الموحدين في الأندلس


معركة الأرك الموحدين في الأندلس
معركة الأرك الموحدين في الأندلس

معركة الأرك الموحدين في الأندلس

معركة الأرك هي معركة وقعت في 18 يوليو 1195 م بين قوات الموحدين بقيادة السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور وقوات ملك قشتالة ألفونسو

الثامن. كان للمعركة دوراً كبيراً في توطيد حكم الموحدين في الأندلس وتوسيع رقعة بلادهم فيها. وقد اضطر ألفونسو بعدها لطلب الهدنة من السلطان الموحدي أبي يوسف المنصور. يعتبرها المؤرخون مضاهية لمعركة الزلاقة في وقع الهزيمة على مسيحيي أيبيريا.


التسمية

وقعت المعركة قرب قلعة الأرك، والتي كانت نقطة الحدود بين قشتالة والأندلس في ذلك الوقت ولذا ينسب المسلمون المعركة لهذه القلعة كما ينسب المسيحيون اسم المعركة أيضا لهذه القلعة (Alarcos) ويطلقون عليها كارثة الأرك لعظيم مصابهم فيها.

.أبو يوسف يعقوب المنصور ا لموحدي وملوك قشتالة والبرتغال

وفي سنة (585هـ)، جاء عدوانُ ملك البرتغال ألفونسو هنريكيز؛ يروي عبد الواحد المراكشي فيقول: «قَصَدَ بطرو بن الريق -لعنه الله- مدينة شلب من جزيرة الأندلس فنزل عليها بعساكره، وأعانه من البحر الإفرنج بالبطس والشواني وفي التاسع من شهر شعبان سنة (591هـ=1195م) وعند هذا الحصن الكبير الذي يقع في جنوب طليطلة على الحدود بين قشتالة ودولة الأندلس، في ذلك الوقت التقت الجيوش الإسلامية مع جيوش النصارى هناك، وكان ألفونسو الثامن قد أعدَّ جيشه بعد أن استعان بمملكتي ليون ونافار، في قوَّة يبلغ قوامها خمسة وعشرين ألفًا ومائتي ألف نصراني، وقد أحضروا معهم بعض جماعات من اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم؛ ليتمَّ بيعهم بعد ذلك في أوربا .

وعلى الجانب الآخر فقد أعدَّ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشًا كبيرًا، بلغ قِوَامه مائتي ألف مسلم من جرَّاء تلك الحمية، التي كانت في قلوب أهل المغرب وأهل الأندلس على السواء؛ خاصة بعد انتصارات المسلمين في حطين (583هـ= 1187م) في الشرق.، وكان قد وَجَّه إليهم يستدعيهم إلى أن يُعِينُوه على أن يجعل لهم سبي البلد، وله هو المدينة خاصة، ففعلوا ذلك ونزلوا عليها من البر والبحر فملكوها، وسبوا أهلها، وملك ابن الريق -لعنه الله- البلد، وتجهَّز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة، وسار حتى عبر البحر، ولم يكن له هَمٌّ إلا مدينة شلب المذكورة، فنزل عليها، فلم تطق الروم دفاعه، وخرجوا عنها وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها، ولم يكفِهِ ذلك حتى أخذ حصنًا من حصونهم عظيمًا يقال له: طرش».

ثم عاد يعقوب المنصور إلى عاصمته مراكش في المغرب بعد هذا النصر المؤزر على البرتغال، والهدنة مع قشتالة، وبقيت طائفة أخرى لم تصالح المنصور، وهي التي ستكون السبب في الحرب القادمة.

بعد أقل من خمس سنوات «جمعت تلك الطائفة (التي لم تصالح) جمعًا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام، فقتلوا وسبوا، وغنموا وأسروا، وعاثوا فيها عيثًا شديدًا» ، ثم ما لبث أن اجتمع معهم ألفونسو الثامن بعد انقضاء مدة الهدنة التي كانت بينه وبين المنصور الموحدي، فبعث إلى جميع الثغور الإسلامية يُنذر بانتهاء الهدنة -وكان المنصور منشغلاً بمعاركه في المغرب ضد الخارجين عليه من بني غانية وغيرها- ثم بعث بقادته إلى مختلف أنحاء الأندلس يُغيرون عليها ويُثخنون فيها، وقد مال المنصور إلى الانتهاء من أمر المتمردين أولاً، لولا أن توالت كتب أهل الأندلس عليه تُشير باشتداد وطأة العدو إلى ما لا يطاق، فعدل عن عزمه وبدأ في التفكير صوب العبور إلى الأندلس.

لما انقضت مدة الهدنة أرسل ألفونسو جيشا كثيفا إلى بلاد المسلمين فنهبوا وعاثوا فسادا في أراضيهم وكانت هذه الحملة استفزازية وتخويفية أتبعها ألفونسو بخطاب للسلطان يعقوب المنصور -استهزاء به وسخرية منه- يدعوه فيه إلى مواجهته وقتاله فلما قرأ السلطان المنصور الخطاب كتب على ظهر رقعة منه (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون الجواب ما ترى لا ما تسمع).

معركة الأرك

وفي التاسع من شهر شعبان سنة (591هـ=1195م) وعند هذا الحصن الكبير الذي يقع في جنوب طليطلة على الحدود بين قشتالة ودولة الأندلس، في ذلك الوقت التقت الجيوش الإسلامية مع جيوش النصارى هناك[، وكان ألفونسو الثامن قد أعدَّ جيشه بعد أن استعان بمملكتي ليون ونافار، في قوَّة يبلغ قوامها خمسة وعشرين ألفًا ومائتي ألف نصراني، وقد أحضروا معهم بعض جماعات من اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم؛ ليتمَّ بيعهم بعد ذلك في أوربا.

وعلى الجانب الآخر فقد أعدَّ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشًا كبيرًا، بلغ قِوَامه مائتي ألف مسلم من جرَّاء تلك الحمية، التي كانت في قلوب أهل المغرب العربي وأهل الأندلس على السواء؛ خاصة بعد انتصارات المسلمين في حطين (583هـ= 1187م) في الشرق.

الاستعداد للمعركة و التخطيط لها

في خُطَّة شبيهة جدًّا بخطَّة معركة الزلاقة قَسَّم المنصور الموحدي الجيش إلى نصفين، فجعل جزءًا في المقدمة، وأخفى الآخر خلف التلال، وكان هو على رأسه، ثم اختار أميرًا عامًّا للجيش، هو كبير وزرائه أبو يحيى بن أبي حفص، وقد ولَّى قيادة الأندلسيين لأبي عبد الله بن صناديد؛ وذلك حتى لا يُوغر صدور الأندلسيين وتضعف حماستهم حين يتولَّى عليهم مغربي أو بربري.

وإتمامًا لهذه الخطة فقد جعل الجزء الأول من الجيش النظامي الموحدي ومن الأندلسيين، «فجعل (أميرُ الجيش أبو يحيى) عسكر الأندلس في الميمنة، وجعل زناتة والمصامدة والعرب وسائر قبائل المغرب في الميسرة، وجعل المتطوعة والأغزاز (المماليك المصريون) والرماة في المقدمة، وبقي هو في القلب في قبيلة هنتاتة».

وعند اكتمال الحشد وانتهاء الاستعداد للقتال أرسل الأميرُ الموحدي رسالة إلى كل المسلمين، يقول فيها: إن الأمير يقول لكم: اغفروا له؛ فإنَّ هذا موضع غفران، وتغافروا فيما بينكم، وطَيِّبُوا نفوسكم، وأخلصوا لله نيَّاتكم. فبكى الناس جميعهم، وأعظموا ما سمعوه من أميرهم المؤمن المخلص، وعلموا أنه موقفُ وداعٍ، ثم قام الخطباء يخطبون عن الجهاد ويُذَكِّرون بفضله وشرفه ومكانته ويُحَمِّسون الجند له، «فنشط الناس، وطابت النفوس، ومن الغد صدع بالنداء، وبأخذ السلاح والبروز إلى اللقاء».

جيش العدو بقيادة ألفونسو
على الجبهة الأخرى حاول ألفونسو الحصول على بعض المدد والمساعدات من بعض منافسيه السياسيين ملوك نافارة وليون فوعدوه بالمدد إلا إنهم تعمدوا الإبطاء فقرر خوض المعركة بما معه من القوات التي لم تكن بالقليلة فقد أوصلها المؤرخون إلى حوالي 300 ألف مقاتل منهم فرسان قلعة رباح وفرسان الداية.

كان الجيش القشتالي يحتل موقعا متميزا مرتفعا يطل على القوات المسلمة وقد كانت قلعة الأرك تحميهم من خلفهم وقد قسموا أنفسهم لمقدمة يقودها الخيالة تحت إمرة لوبيز دي هارو ءأحد معاوني ألفونسؤ وقلب الجيش ومؤخرته ويضم 10 آلاف مقاتل من خيرة مقاتلي قشتالة ويقودهم ألفونسو بنفسه.

ولما تقدمت صفوف المسلمين المهاجمة إلى سفح التل الذي يحتله ملك قشتالة ، واندفعت إليه تحاول اقتحامه ، انقض زهاء سبعة آلاف أو ثمانية آلاف من الفرسان القشتاليين كالسيل المندفع من عل ، فتزحزح قوم من المطّوّعة ، فصعد غبارها في الجو ، فقال أبو يوسف المنصور لخاصته : جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم ، ثم تحرك وحده ، وسار منفرداً ، ومر على القبائل والصفوف ، وحثهم على الثبات .

لقد رد المسلمون هجمات القشتاليين مرتين ، ولكن العرب والبربر استنفدوا جميع قواهم لرد هذا الهجوم العنيف ، وعززت قوات القشتاليين بقوى جديدة وهجموا للمرة الثالثة ، وضاعفوا جهودهم ، واقتحموا صفوف المسلمين وفرقوها ، وقتلوا قسماً منها ، وأرغم الباقون على التراجع ، واستشهد آلاف من المسلمين في تلك الصدمة ، منهم القائد العام أبو يحيى بن أبي حفص ، الذي سقط وهو يقاتل بمنتهى البسالة .

واعتقد النصارى أن النصر قد لاح لهم بعد أن حطموا قلب جيش الموحدين ، ولكن الأندلسيين وبعض بطون زناته ، وهم الذين يكونون الجناح الأيمن ، هجموا عندئذ بقيادة أبي عبد الله بن صناديد على قلب الجيش القشتالي ، وقد أضعفه تقدم الفرسان القشتاليين ، وكان يتولى قيادته ملك قشتالة نفسه ، يحيط به عشرة آلاف فارس فقط ، منهم فرسان الداوية وفرسان قلعة رباح ، فلقي ألفونسو المسلمين بقيادة ابن صناديد دون وجل ، ونشبت بين الفريقين معركة حامية استمرت سويعات ، واستبدل النقص في العدد بالإقدام والشجاعة ، حتى أنه لما زحف زعيم الموحدين في حرسه وقواته الاحتياطية ، ورد تقدم الفرسان القشتاليين ، واضطرهم إلى الفرار في غير انتظام ، لم يغادر ألفونسو وفرسانه العشرة آلاف مكانهم في القلب ، ذلك لأنهم أقسموا جميعاً بأن يموتوا ولا يتقهقروا ، فاستمرت المعركة على اضطرامها المروع ، والفريقان يقتتلان .

وأيقن الموحدون بالنصر حينما انحصرت المقاومة في فلول من النصارى التفت حول ملك قشتالة ، وهجم أمير الموحدين في مقدمة جيشه لكي يجهز على هذه البقية ، أو يلجئها إلى الفرار ، فنفذ إلى قلب الفرسان النصارى .

إنتصار خالد

قال المقري: وكان عدة مَنْ قُتِل من الفرنج ء فيما قيل ء مائة ألف وستَّة وأربعين ألفًا، وعدة الأسارى ثلاثين ألفًا، وعدة الخيام مائة ألف وستَّة وخمسين ألف خيمة، والخيل ثمانين ألفًا، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفَّار لحمل أثقالهم؛ لأنَّهم لا إبل لهم، وأمَّا الجواهر والأموال فلا تُحصى، وبِيع الأسير بدرهم ، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم.

وقَسَّم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا ألفونسو ملكُ النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء، ولا يركب فرسًا ولا دابَّة؛ حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعدُّ، ثم لقيه يعقوب وهزمه، وسار خلفه إلى طُلَيْطِلَة وحاصره، ورمى عليها بالمجانيق، وضيَّق عليها، ولم يبقَ إلا فتحُها، فخرجت إليه والدة ألفونسو وبناته ونساؤه وبَكَيْنَ بين يديه، وسألنه إبقاء البلد عليهن، فرقَّ لهن ومَنَّ عليهن بها، ووهب لهنَّ من الأموال والجواهر ما جَلَّ، وردَّهُنَّ مكرماتٍ، وعفا بعد القدرة، وعاد إلى قُرْطُبَة، فأقام شهرًا يُقَسِّم الغنائم.

نتائج انتصار معارك الأرك

تمخَّض عن انتصار الأرك الكبير آثار ونتائج عظيمة؛ أهمُّها ما يلي:

الهزيمة الساحقة لقوات النصارى

كان من أهمِّ آثار انتصار الأرك تَبَدُّدُ جيش النصارى بين القتل والأسر؛ فقد قُتِلَ منهم في اليوم الأول فقط -على أقل تقدير- ثلاثون ألفًا، وقد جاء في نفح الطيب للمقري أن عدد قتلى النصارى وصل إلى ستة وأربعين ألفًا ومائة ألف قتيل، من أصل خمسة وعشرين ألفًا ومائتي ألف مقاتل، وكان عدد الأسرى بين عشرين وثلاثين ألف أسير، وقد مَنَّ عليهم المنصور الموحدي بغير فداء؛ إظهارًا لعظمة الإسلام ورأفته بهم، وعدم اكتراثه بقوَّة النصارى.

النصر المادي

رغم الكسب المادي الكبير جدًّا، إلاَّ أنه كان أقلَّ النتائج المترتبة على انتصار المسلمين في موقعة الأرك؛ فقد حصد المسلمون من الغنائم ما لا يُحصى، وقد بلغت -كما جاء في نفح الطيب- ثمانين ألفًا من الخيول، ومائة ألفٍ من البغال، وما لا يُحصى من الخيام.

وقد وزَّع المنصور الموحدي –رحمه الله- هذه الأموال الضخمة وهذه الغنائم كما كان يفعل رسول الله ؛ فوزَّع على الجيش أربعة أخماسها، واستغلَّ الخمس الباقي في بناء مسجد جامع كبير في إشبيلية؛ تخليدًا لذكرى الأرك، وقد أنشأ له مئذنة سامقة يبلغ طولها مائتي متر، وكانت من أعظم المآذن في الأندلس في ذلك الوقت، إلاَّ أنها - وسبحان الله! - حين سقطت إشبيلية بعد ذلك في أيدي النصارى تحوَّلت هذه المئذنة -والتي كانت رمزًا للسيادة الإسلامية- إلى برج نواقيس للكنيسة، التي حَلَّت مكان المسجد الجامع، وهي موجودة إلى الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

النصر المعنوي

كان من نتائج موقعة الأرك -أيضًا- ذلك النصر المعنوي الكبير الذي ملأ قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فقد ارتفع نجم دولة الموحدين كثيرًا، وارتفعت معنويات الأندلسيين، وهانت عليهم قوَّة النصارى، وارتفعت -أيضًا- معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي؛ حتى راحوا يعتقون الرقاب، ويُخْرِجُون الصدقات فرحًا بهذا الانتصار.

وكان من جرَّاء ذلك -أيضًا- أن استمرَّت حركة الفتوح الإسلامية، واستطاع المسلمون فتح بعض الحصون الأخرى، وحاصروا طليطلة إلاَّ أنها -كما ذكرنا من قبل- كانت من أحصن المدن الأندلسية؛ فلم يستطيعوا فتحها.

صراعات شتى بين ممالك النصارى

نتيجةً لموقعة الأرك أيضًا حدثت صراعات شتَّى بين ليون ونافار من ناحية، وبين قشتالة من ناحية أخرى.. فقد ألقى عليهم ألفونسو الثامن (ملك قشتالة) مسئولية الهزيمة، وكان من نتائج ذلك -أيضًا- أن وقعت لهم الهزيمة النفسية، وترتَّب على هذا -أيضًا- أن أتت السفارات تطلب العهد والمصالحة مع المنصور الموحدي.

معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين
أيضًا كان من نتائج موقعة الأرك أن تمت معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين على الهدنة ووقف القتال مدَّة عشر سنوات، أراد المنصور أن يُرَتِّبَ فيها الأمور من جديد في بلاد الموحدين.

مواضيع ذات صلة

التالي
« السابق
السابق
التالي »