الإمام القرطبي المفسّر

 الإمام القرطبي المفسّر
 الإمام القرطبي المفسّر


الإمام القرطبي المفسّر

علماء المسلمين

يقول الإمام النووي - رحمه الله - في كتابه: "تهذيب الأسماء واللغات"(1 / 10):

"اعلم أن لمعرفة أسماء الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم، ومراتبهم: فوائدَ كثيرة؛ منها: معرفة مناقبهم وأحوالهم، فيتأدب بآدابهم، ويقتبس المحاسن من آثارهم، ومنها: مراتبهم وأعصارهم، فينزلون منازلهم، ولا يقصر بالعالي في الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيره عن مرتبته، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]

ترجمة الإمام القرطبي المفسّر

محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح كنيته أبو عبد الله ولد بقرطبة ب(الأندلس) حيث تعلم القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية وتوسع بدراسة الفقه والقراءات والبلاغة وعلوم القرآن وغيرها كما تعلم الشعر أيضاً. انتقل إلى مصر واستقر بمنية بني خصيب (المنيا) حتى وافته المنية في 9 شوال 671 هـ، وهو يعتبر من كبار المفسرين وكان فقيهًا ومحدثًا ورعًا وزاهدًا متعبدًا.

نشأة الإمام القرطبي

نشأ الإمام رحمه الله - في قرطبة بالأندلس، في عصر الموحِّدين ، وظلَّ يعيش بها حتى سقطت في أيدي الفرنجة سنة 633هـ ، فانتقل منها إلى مصر، واستقرَّ بها حتى وافته المنيَّة، ومعلوم أن الأندلس، وبخاصة قرطبة (عاصمة الأندلس الإسلامية بأكملها وأهم مدينة في شبه الجزير، وقرارة أولي الفضل والتُّقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، ومن أفقها طلعت نجوم الأرض، وأعلام العصر، وفرسان النَّظْم والنثر، وبها أنشئت التأليفات الرائعة، وصنِّفت التصنيفات الفائقة...) ، وكانت أيضًا أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأهلها أشد الناس اعتناءً بخزائن الكتب، من أروَج متاجريها حتى قيل: "إنه إذا مات عالمٌ بإِشْبِيلِيَة فأُريدَ بيعُ كتبه، حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها" وأنجبت المدينة علماء و أدباء كُثر نذكر منهم الشاعر ابن زيدون، والشاعرة الأموية ولادة بنت المستكفي، والفقيه ابن حزم، والعالم عباس بن فرناس، و الإمام شمس الدين القرطبي موضوع مقالناهذا ، كما أنتقل إليها الموسيقي زرياب وأسس دار المدنيات..

بدأ المؤرخون يُشيرون إلى المكتبة الأموية كواحدة من أشهر مكتبات قرطبة ، يصف لنا العلامة ابن حزم (ت: 456هـ) ضخامة المكتبة الأموية، بحديثه الذي أجراه مع القائم بأعمالها في عهد الحكم المستنصر ويُدعى تليد الفتى، قال ابن حزم: "وأخبرني تليد الفتى -وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس- أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط" . أي أن عدد فهارس المكتبة الأموية كان 2200 ورقة فيها أسماء المؤلفات فقط، وهذا دليل على ضخامة تلك المكتبة الملكية التي يمكن تقدير عدد الكتب بها بأكثر من 100 ألف كتاب.

تأثر الإمام القرطبي كثيراً بالغنى الثقافي والمعرفي الذي كانت تعرفه الأندلس عامة وقرطبة خاصة. فنشطت الحركة العلمية في شتى الميادين اللغوية والعلمية والشرعية، نال منها الإمام الشيء الكثير. وكان من شيوخ القرطبي:

ابن رواج وهو الإمام المحدث أبو محمد عبد الوهّاب بن رواج واسمه ظافر بن على بن فتوح الأزدي الإسكندراني المالكي.

ابن الجميزي: وهو العلامة بهاء الدين أبو الحسن على بن هبة الله بن سلامة المصري الشافعي وكان من أعلام الحديث والفقه والقراءات.

أبو عباس أحمد بن عمر بن إبراهيم المالكي القرطبي (صاحب المفهم في شرح صحيح مسلم)

الحسن البكري :هو الحسن بن محمد بن عمرو التيمي النيسابوري ثم الدمشقي أبو على صدر الدين البكري.

كان المنهج التعليمي لأطفال المجتمع الأندلسي في عصر الإمام القرطبي فريد من نوعه ،يعطينا فكرة عن تكوين العقلية العِلمية للإمام القرطبي ، فهذا أبو بكر بن العربي - رحمه الله - يقول: "والذي يَجب على الوليِّ في الصبيِّ المسلم إذا عقل، أن يلقنه الإيمان، ويُعلمه الكتابة والحساب، ويُحفِّظه أشعار العرب العاربة، ويعلمه العوامل في الإعراب، وشيئًا من التَّصريف، ثم يُحفظه - إذا استقل واشتدَّ في العشر الثاني - كتاب الله، ثم يحفظ أصول سنن الرَّسول..).، وقد أوصى الإمام ابن العربي بألا يخلط في التَّعليم بين عِلمين، إلا أن يكون الطَّالب ذا جودة في الفهم، وقوة في النَّشاط، وقابليَّة لذلك .

أخلاقه وصفاته :

ان ورعًا تقيًّا: لقد أثنى العلماء على الإمام القرطبي؛ لما كان يتحلى به من صفات حميدة وخِلال حسنة، ولما يتمتع به من ورع وتُقى، وزهد في الدنيا وزخرفها؛ فهذا ابن فرحون يقول عنه: (كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجُّه، وعبادة، وتصنيف، وكان قد اطَّرح التكلُّف، يمشي بثوب واحد، وعلى رأسه طاقية..) ، ومثل ذلك قال عنه المقري في نفح الطيب.

وكان الإمام القرطبي - رحمه الله يتميّزُ بعفة اللسان، ورقة العبارة، وحسن المناظرة مُنصفًا لا يتعصب لرأي من الآراء.

علمه و مؤلفاته

المطالع لتفسير الإمام القرطبي يلاحظ تأثرا كبيراً بعلماء سبقوه منهم:

الطبري: صاحب "جامع البيان في تفسير القرآن"، أفاد منه القرطبي وتأثر به خاصة في التفسير بالمأثور. الماوردي: وقد نقل عنه القرطبي وتأثر به. أبو جعفر النحاس: صاحب كتابي:" إعراب القرآن، ومعاني القرآن" وقد نقل عنه القرطبي كثيراً. ابن عطية: وهو القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية صاحب "المحرر الوجيز في التفسير"، وقد أفاد القرطبي منه كثيراً في التفسير بالمأثور وفي القراءات واللغة والنحو والبلاغة والفقه والأحكام. أبو بكر ابن العربي صاحب كتاب "أحكام القرآن"، أفاد منه القرطبي وناقشه ورد هجومه على الفقهاء والعلماء.

لقد ترك لنا القرطبي - رحمه الله - عددًا من المصنَّفات المفيدة التي تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه، وهي مؤلفات منقطعة النظير في بابها ، ذكر المؤرخون للقرطبي عدة مؤلفات منها :

"الجامع لأحكام القرآن" هو كتاب جمع تفسير القرآن كاملاً.

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

التذكار في أفضل الأذكار

الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى

الإعلام بما في دين النصارى من المفاسد والأوهام واجتهار محاسن دين الإسلام.

قمع الحرض بالزهد والقناعة.

المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس.

اللمع اللؤلؤية في شرح العشرينات النبوية

تأثر به كثير من المفسرين جاءوا بعده، وانتفعوا بتفسيره وأفادوا منه كثيرا. ومن هؤلاء:

الحافظ بن كثير و أبو حيان الأندلسي الغرناطي ، وذلك في تفسيره البحر المحيط. الشوكاني: القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني، وقد أفاد من القرطبي كثيراً في تفسيره فتح القدير.

أقوال العلماء فيه

قال عنه الذهبي: " إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة إطلاعه ووفود عقله وفضله".الحركة العلمية في عصر القرطبي:نشطت الحياة العلمية بالمغرب والأندلس في عصر الموحدين (514 - 668 هـ) وهو العصر الذي عاش فيه القرطبي فترة من حياته أيام إن كان بالأندلس وقبل أن ينتقل إلى مصر ومما زاد الحركة العلمية ازدهاراً في هذا العصر: أن محمد بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية كان من أقطاب علماء عصره وقد أفسح في دعوته للعلم وحض على تحصيله.

فقد عاصر الإمام نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين ، وإ ستفاد من هد النشاط الفكري و إحتكَّ بكثير من العلماء.

طرائف ابو دلامة " حُبستُ مع الدجاج "

طرائف ابو دلامة " حُبستُ مع الدجاج "
طرائف ابو دلامة " حُبستُ مع الدجاج "

طرائف ابو دلامة " حُبستُ مع الدجاج "

من هو ابو دُلامة ؟

أبو دُلامة شاعر ساخر عاش في العصر العباسي ،وكا ن عبدا لرجل من اهل الرقه من بني اسد واعتقه في ما بعد ، وهو أحد الشعراء المعاصرين لخلفاء بني العباس الثلاث الأوائل وهم السفاح والمنصور والمهدي ، بل يعتبر شاعرهم ونديمهم الخاص ،وكان أبو دلامه فكها مرحا فهو حسن الحديث ممتع الرواية.

" حُبستُ مع الدجاج "

شرب أبو ذلامة في الحانات ؛ فمشى وهو يميلُ ؛ فلقيهُ العسس فأخذوه ، فقيل له : من أنت ؟ و ما دينك؛ فقال :

دينِ على دينِ بني العبّاس              ما خُتمَ الطينُ على القرطاس

إذا إصطحبتُ أبعا بالكأس             فقد أدارَ شربها برأسي

                    فهل بما قلتُ لكم من بأسي

فأخذوهُ و خرقو ثيابه و ساجهُ ، و أُتي به إلى أبي جعفر ، فأمر بحبسه مع الدجاج في بيت ؛ فلما أفاق جعل ينادي غُلامه مرّة ، و جاريته أُخرى ، فلا يُجيبه أحد ؛ وهو مع ذالك يسمعُ صوتت الدجاج، وزُقاء الدُيوك.

فلمّا أكثر قال له السجّان : ما شأنك ؟ قال أبو ذلامة : ويلك ! من أنت ؟ و أين أنا ؟

قال أنت في الحبس، وأنا السجّان ؛ قال ومن حبسني؟ قال امير المؤمنين . قال : ومن خرق طيلساني ؟ قال الحرس .

فطلب أن يأتيه بذواة و قِرطاس ، ففعل ، فكتب إلى أبي جعفر المنصور يقول :

أميرُ المؤمنين فَدتكَ نفسي                   علامَ حبستني و خرقتَ ساجي

أمن صهباء صافية المزاج                   كأنَّ شُعاعها لهبُ السِّراجِ

وقد طُبختْ بنار الله حتّى                     لقدصارت من النُطَفِ النِّضاحِ

تهشُّ لها القلوبُ و تشتهيها                   إذا برزتْ تَرقرقُ في الزّجاج

أُقادُ إلى السجون بغير جُرمٍ                   كأنّي بعضُ عمّالِ الخَراجِ

فلو معهم حُبِسْتُ لكانَ سهلا                  و لكن حُبِسْتُ معَ الدجاجِ

وقد كانت تُخبرني ذُنوبي                    بأنِّي من عقابكَ غيرُ ناجي

على أنّي_ و إن لاقيْتُ شرّاً                 لخيركَ بعد ذالكَ الشرِّ راجي


فاستدعاهُ ابو جعفر المنصور و قالَ له : أين حُبِسْتَ يا أبو ذلامة ؟ قال : معَ الدجاج! قال فما كُنتَ تصنع ؟ قال أبو دلامة : أُقوْقٍئ إلى الصباح. فضحك المنصوروأمرَ له بجائزة ، فلمّا خرج أبو ذلامة قال له الربيع حاجبهُ : إنّهُ شرْب الخمر يا أمير المؤمنين ! أما سمعتَ قولهُ وقد طُبختْ بنار الله يعني الشمس ! فامرَ بردِّه ، ثمَّ قال : يا خبيث ؛ شربتَ الخمر ؟ قال أبو ذلامة : لا ، قال أفلم تقل طُبختْ بنار الله تعني الشمس ؟ قال لا ، والله ، ماعَنيتُ إلانارَ الله المُوقدة التي تطلعُ على فُؤادِ الربيع ! فضحك المنصور وقال : خدها يا ر بيع و لا تُعاود التعرّضَ له .

المصادر : نهايةالأرب ٤ـ٣٢ ، الأغاني ١٠ـ٢٥١ طبعة دار الكتب

ابن سهل مُؤسس قانون إنكسارالضوء

ابن سهل مُؤسس قانون إنكسارالضوء
ابن سهل مُؤسس قانون إنكسارالضوء


ابن سهل مُؤسس قانون إنكسارالضوء

 كانت اروبا تعيش في ظلام القرون الوسطى تعاني شعوبها منذ سقوط روما ا قصى صنوف العذاب من الفقر والجهل والمرض لفترة جاوزت اكثر من الف عام ، كانت الحضارة الاسلامية تعيش أزهى أيامها من التحضّر و الرقي في كل المجالات و كانت المعاهد العلمية و المكتبات و المراصد الفلكية تنتشر في ربوع العالم الاسلامي ، تضيء العالم بكواكب و نجوم من علماء المسلمين . ثمتلُ النخبة منهم  جل العالم المتحضر على وجه الأرض في العصر الذهبي للعلوم،  كان منهم فلكيون وصيادلة واطباء وفلاسفة وادباء وعلماء طبيعه و كميياء و فزياء  ورياضيون،امثال الخوارزمي والكندي وابن البناء المراكشي والرازي و ابن بصال الطليطلي والفارابي وجابر بن حيان والزهراوي والغافقي وابن سهل موضوع مقالنا اليوم.

ابن سهل، هو أبو سعد العلاء ابن سهل. (940-1000) عالم مسلم رياضياتي و فيزيائي ، وطبيب ومهندس في علم البصريات. له العديد من الأبحاث والنظريات حول الأشكال الهندسية ، قام ابن الهيثم باستعمال أبحاث ابن سهل و قد ساعدته في علم البصريات ، وضع واكتشف ابن سهل أول قانون إنكسار"law of refraction" ، وقد استخدم القانون لإستخلاص أشكال العدسات التي تركز الضوء من غير إنحراف، والمعروفة بعدسات الانكسار وهي غير دائرية الشكل.

علمه و أبحاثه 

في عام 984م كتب ابن سهل كتابه الخاص المعروف بالأدوات الحارقة و هو كتاب تجريبي ( بين فيه الوسائل الميكانيكية لرسم القطوع المخروطية) عالج فيه موضوعات العدسات بجميع الأنواع من بيضاوية الشكل إلى مقعرة كما تطرق إلى رسم المنحنيات حيث لها علاقة وثيقة بالبصريات وهندسات الفلك.اكتشف ابن سهل أول قانون إنكسار، وقد استخدم القانون لإستخلاص أشكال العدسات التي تركز الضوء من غير إنحراف، والمعروفة بعدسات الانكسار وهي غير دائرية الشكل قانون انكسار الضوء يُعرف بقانون سنللويلبرورد سنيليوس(1580 إلى 1626م) وكذلك بقانون ديكارت عند الفرانكوفون نسبةً لرينيه ديكارت وأيضًا باسم قانون سنيل - ديكارت، هو صيغة رياضية تصف العلاقة ما بين زوايا السقوط والانكسار، عندما ينتقل الضوء أو غيره من الأمواج ما بين وسطين مختلفين، مثل الهواء والماء، و يعتبر ابن سهل هو أول من اكتشف قانون الانكسار.

مكتشف قانون انكسار الضوء

 نقلت معارف و علوم ابن سهل من خلال عدد من تلاميذته و علماء عصره. و يعتبر الحسن ابن الهيثم مثالاً على ذلكو، يمكن القول: إنه لولا ابن سهل لما كان ابن الهيثم قد توصل إلى الكثير من اكتشافاته المهمة في علم الضوء والبصريات فابن سهل هو الذي مهد الطريق فعليا بما أسسه لظهور ابن الهيثم  ، يُشيرُ الكاتب الأمريكي المعاصر ميشيل هاملتون مورغان  أنّ ابن الهيثم أنشتاين زمانه لأنه اكتشف نظريات علمية ساعدت كل من كوبرنيكوس ونيوتن من تحقيق اهدافهم العلمية بعد ستمائة سنة ..

وإذا كان ثمة من يشير اليوم إلى أن مكتشف قانون انكسار الضوء المعروف بقانون “سنيل” هو العالم الهولندي ويلبرورد سنيليوس الذي عاش في الفترة من 1580 إلى 1626م فالواقع أن ابن سهل هو أول من لفت الانتباه لمسألة انكسار الضوء وانعطافه عندما ينتقل من سطح لآخر كأن يعبر من الفراغ إلى الزجاج أو الماء.

وقد اهتم العرب بعلم البصريات نسبة لارتباطه الكبير بعلم الفلك في صنع المناظير الفلكية لمتابعة حركة الأجرام ورصد قبة السماء، ونجد أن ابن سهل قد استفاد ممن سبقه وهم قلة في هذا المجال أبرزهم عالم البصريات أبو يوسف الكندي الذي توفي سنة 873 ميلادية، وهو من قام بتحقيق نظرية أرسطو حول رؤية الأشياء بالعين المجردة.

تجارب علمية بحثة

التجارب البحثية التي قام بها ابن سهل إكتشافه كيفية إحراق جسم من على البعد وحدد كيف يمكن عمل ذلك باستخدام العدسات ودقق الحسابات المتعلقة بهذا الموضوع، وهو موضوع ليس ابتكاريا في حد ذاته حيث عرفه اليونانيون لكنه أضاف فيه وعمّقه بالشكل العلمي وشرح لنا كيف يتم توجيه العدسة للشمس ليتم تجميع الضوء الحارق في نقطة معينة هي بؤرة العدسة التي تكون خارجها على مسافة معينة يمكن حسابها بمعرفة قطر العدسة وأمور معينة في علم البصريات، وفي كتابه “كتاب في المرايا المحرقة والعدسات” يناقش هذا الأمر بالتفصيل. وبشكل عام فإن العلوم التي أثارها الرجل كانت مثار دهشة للمؤرخين وبعض ابتكاراته عدت من فنون الحيل المبتكرة.

و مِمَّا كتب ابن سهل عن موضوع الإحراق : “وقد غَبرت دهرا أبحث عن حقيقة ما يُنحَل أصحاب التعاليم من القدرة على إحراق جسم بضوء على مسافة بعيدة، ويضاف إلى أرشميدس من إحراقه سفن الأعداء بهذا الضرب من الحيل حتى عرفت جملة الحال فيه، وتعقّبتها بالتفصيل فاستعنت عليه بما وجدته من كتب القدماء وانتزعت منها ما تضمّنت به، وهو وصف الإحراق بضوء الشمس المنعكس عن مرآة على مسافة قريبة، ونوع من الإحراق بضوء جسم قريب ينعكس عن مرآة. وواصلت النظر فيما لم يتضمن منه حتى استخرجته وهو وصف الإحراق بضوء الشمس الذي ينفذ في آلة وينعطف في الهواء”.

استخدم ابن سهل ما يعرف بمفهوم “الاعتبار” الذي يعني تفحص الأشياء ودلالاتها لاستقراء الكامن من المنظور ما يشير إلى استكشاف الإمكانيات المدخرة في الأشياء والموجودات، ويشير المختصون إلى أن ابن سهل استخدم هذا الفهم فيما يمكن أن يفسر بالتجربة أو الاختبار في علوم البصريات ما قاده إلى الاكتشافات والابتكارات المتعددة . يعاد النظر في فكر ابن سهل ودوره التجديدي في علم البصريات والعدسات والمرايا والآفاق في عدد من الجامعات الغربية .

ترك إبن سهل ثراثا علميا و بحثيا خلفه من مخطوطات مهمة في هذه العلوم لاسيما في موضوعات الانكسار والمرايا والعدسات. ولكي يحدد ابن سهل قرينة الانكسار استعمل فعل “اعتبر” في شرح الأمر.. فعندما تحدث عن العدسة المستوية المحدبة، وأيضاً عندما تحدث عن العدسة محدبة الوجهين، ويفرض كل مرة أن تكون العدسة المستعملة منحوتة من المادة نفسها التي استعملت أثناء التجربة المخصصة لتحديد قرينة الانكسار، قال ابن سهل: “من نفس الجوهر الذي اعتبرنا به”، وفعل “اعتبر” هنا استعمله بمعنى جرب أو اختبر . وقد بات “الاعتبار” منهجا في علوم البصريات عنده وعند ابن الهيثم ويعني كما تمت الإشارة التجريب والاختبار.

إن ما قدمه ابن سهل من علوم و أبحاث أحدث بها نقلة كبيرة في العالم باكتشافه انكسار الضوء فقبله لم يكن يتوقع أن ما يحدث من خلل لمناظير الأشياء ما بين سطح وآخر يرجع للضوء وانتقاله بين المواد والأسطح ،رحم الله عالمنا الجليل ابن سهل و جازاه الله كل خير لما قدّمه من علوم أفادت البشرية .

نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين

 نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين
 نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين


نهضة الفكر والأدب في عهد الموحدين

استطاع المرابطون الحفاظ على الحركة العلمية التي كانت سائدة آنذاك في بلاد المغرب و الأندلس، وأضافوا إليها الكثير في العَدْوَتَيْن ، وعند تسلم الموحدين الحكم بزغت إلى الوجود ثمرة جهود المرابطين في تشجيع العلم وتحفيز العلماء من مختلف المشارب والمدارك إبان عهدهم الزاهر، فبذرت بذور النهضة العلمية الكبرى التي نمت وترعرعت على عهد الدولة الموحدية العظيمة.

توفرت للحركة العلمية عوامل ساعدت على نهضتها أهمها

- حرية الفكر: كان من الطبيعي أن يحرر الموحدون الفكر من بعض القيود التي فرضها عليه الفقهاء المرابطون، والحالة أنهم ثاروا على مظاهر الضعف والانحلال والتعصب التي أصابت الدولة المرابطية، فنشطت لذلك الفلسفة وعلم الكلام، وكثر المشتغلون بهما وذاع صيت المغاربة في ذلك إلى درجة أن فريديريك الثاني ملك إيطاليا (1194- 1250م) وجه أسئلة فلسفية إلى علماء سبتة للإجابة عنها، فأجاب عنها الفيلسوف عبد الحق بن سبعين (614-669هـ) وضمنها كتابه (المسائل العقلية).

هجرة العلماء إلى المغرب

فقد اجتمع فيه أعلام من الأندلس والقيروان على اختلاف مداركهم ومشاربهم ومسالكهم ، واستقرار الكثير منهم بمراكش عاصمة الدولة الموحدية أو بغيرها من المدن المغربية، وعبور العلماء والطلبة المغاربة من جهة أخرى إلى الأندلس ، يضاف إليهم الجم الغفير من العرب الذين دخلوا المغرب في عهد عبد المومن، فاصبحت البلاد كلها نوادي علمية و فكرية تصاهرت فيها التقاليد و العادات .

انتشار الأمن و تدفق الأموال على الدولة

وقد تم ذلك للموحدين بفضل عدلهم، وحرصهم على امن السكان وسلامتهم، بلغ ذلك حدا قال معه صاحب القرطاس: "بأن الظعينة تخرج من نول إلى برقة دون أن تضيع".

وبلغ خراج أفريقية 150 بغلا من الفضة، وأنفق الناصر على غزو أفريقية 120 حملا، وبيع زيتون بستان عبد المومن بمراكش بمبلغ 30 ألف دينار على رخص الغلة بها، وزيتون بحيرة مكناس بمبلغ 35 ألف، وزيتون بحيرة فاس بمبلغ 50 ألف دينار، وفرق يعقوب المنصور يوم بيعته على الضعفاء 100 ألف دينار، وتصدق قبل خروجه لوقعة الأرك بأربعين ألف دينار، وفرق على الجنود والفقراء في عيد سنة 594هـ 73 ألف شاة، هذا بالإضافة إلى عطاياهم السخية للعلماء .

انتشار المعاهد العلمية

فقد أسس عبد المومن مدارس بمراكش وعلى رأسها المدرسة العامة لتخرج الموظفين، والمدرسة الملكية لتعليم الأمراء الموحدين، ومدرسة تعليم فن الملاحةو، وأسس يعقوب المنصور مدارس أخرى بمراكش وسلا وأفريقية والأندلس ؛ كما اعتنوا بالكتب والخزانات وتوفيرها للدارسين، وكانت ليوسف خزانة تضاهي خزانة الحكم المستنصر بالأندلس .

واعتنى الموحدون كذالك بالمراكز الثقافية التي وجدوها والتي تتمثل في مدن فاس ومراكش وطنجة وسبتة والقصر الصغير وبجاية والقيروان وباقي مدن الأندلس، قد أنفقوا على علمائها وطلبتها بسخاء، وحاربوا الأمية بأن كلفوا الطلبة المصامدة بالانتشار في البوادي ونشر العلم بها.

- استدعاء العلماء وعقد المجالس العلمية

وكان عبد المومن يستدعي طائفة من العلماء للتدريس بالمغرب وحضور المجالس التي كان يقيمها، وكذا كان شأن أبي يعقوب يوسف ابنه، ويعقوب المنصور حفيده، وفي هذا يقول المراكشي: "فقد جرت عادتهم بالكتب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم على أهل كل فن" .

وكانوا يقيمون المجالس العلمية في قصورهم يستدعون لها الأمراء والعلماء وطلبة الموحدين فيجزلون لهم العطاء، وأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسألة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى بإذنه فيناقشها العلماء ويشاركهم الخلفاء في ذلك، وتختم المجالس بالدعاء للخليفة .

وكان لهذه العوامل أثر في نهضة العلوم وازدهارها بالأندلس والمغرب ازدهارا لم تعرفه من قبل، أما بالنسبة للأندلس إن حضور البعد الأندلسي في التفكير الاستراتيجي لبناء الدولة الموحدية لدى المهدي بن تومرت، جعل أنصاره من بعده خصوصا كبيرهم عبد المومن بن علي الكومي يتجه نحو الأندلس، ولقد كان للانتصارات الموحدية بالأندلس في عهده تأثير حاسم في توطيد دعائم الدولة الموحدية سواء بالمغرب الأقصى أو بعدوة الأندلس.

البعد الاندلسي في النهضة

لقد أدى بسط نفوذ الدولة الموحدية على ربوع الأندلس انعكاسات جد إيجابية على تدعيم أسس الدولة بالمغرب،فانعكس ذلك رخاء عظيما وازدهارا كبيرا، بالغ الموحدون في الإحسان إلى الفقراء والعطف عندهم يتخذ طابعا إنسانيا رائعا، وخير دليل على ذلك بمرستان مراكش الذي يعطي صورة مصغرة من معاملة الموحدين للفقراء.

عرفت الحركة الفكرية تطورا ملموسا، بعد أن أغدقت الدولة بسخاء على طلاب العلم، وبناء المعاهد، وتجهيز خزائن الكتب لتنمية الفكر والثقافة، في تماه كبير مع النهضة والازدهار الفكريين اللذين كانت تعرفهما حاضرة الأندلس.

وهكذا ازدهرت العلوم والفنون والآداب. وفي هذا السياق برز جمهرة كبيرة من علماء الدين والفقه، كان في مقدمتهم المؤسس الروحي للدولة الموحدية، المهدي بن تومرت الذي كان أحد أقطاب عصره،كما كان للخلف الذي تولى بعده مساهمة فعالة في الحركة الفكرية عبر إطلاق حرية البحث والتفكير، وفضلا عن ذلك نبغ في الأندلس في هذه الحقبة الموحدية علماء بارزين أمثال عبد الرحمان بن محمد السلمي من أهل شرق الأندلس، وبه نشأ ويعرف بالمكناسي، وداووين يزيد بن عبد الله السعدي النحوي من أهل قرطبة، ومنهم أيضا إبراهيم بن الحاج أحمد بن عبد الرحمان بن سعيد بن خالد بن عمارة الأنصاري من أهل غرناطة، ومن أشهرهم وأبعدهم صيتا محمد بن مفضل بن حسن بن عبد الرحمان بن محمد بن مهيب اللخمي،صاحب كتاب"الجواهر الثمينة" المتوفى سنة 645هـ. ومن علماء العصر الموحدي الأندلسي كذالك الشيخ محيي الدين الطائي من أهل أشبيلية المتوفي سنة 638هـ.

علماء عظام من العصر الموحدي

خلف لنا العلماء المغاربة تُراثا هائلا يشهد على هذا الازدهار الفكري الذي عرفه العصر الموحدي فقد ألفوا في مختلف أصناف العلوم، في التفسير والقراءات والفقه والحديث، و في علم الأصول والكلام ، و في العلوم اللسانية: (اللغة، النحو، العروض) ؛ والتاريخ والجغرافية، والفلسفة والتصوف ، والعلوم العددية: (الحساب، الهندسة، التنجيم) و الطب، نذكر منهم :

- أبو الحسن علي بن أحمد التجيبي الحرالي المراكشي (ت 637 هـ) له تفسير سماه "مفتاح اللب المقفل، على فهم القرآن المنزل".

- أبو عبد الله محمد بن علي بن عابد الأنصاري الفاسي (ت 622هـ) اختصر كتاب الكشاف مزيلا عنه الاعتزال، وشرح الأسماء الحسنى وألف كتابه المسمى "شعب الإيمان".

- أبو الخطاب عمر بن الحسن ابن دحية الكلبي، الذي كان يحفظ صحيح مسلم كله، قد رحل إلى المشرق فاختبر علماء مصر حفظه، فأدهشهم وأعجب به الكامل الأيوبي فأنشأ له "المدرسة الكاملية" للحديث سنة 622ه، وتولاها من بعده أخوه أبو عثمان ثم ابنه شرف الدين.

- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي (ت 544ه)، كان مبرزا في الحديث ومشاركا في باقي علوم عصره، وهو مفخرة هذا العصر والذي قبله، وقد قيا فيه (لولا عياض لما ذكر المغرب)، له كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، و"مشارق الأنوار في غريب الحديث والآثار"، و"ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك".

- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي له: "مناهج التحصيل فيما للأئمة على المدونة من التأويل".

- إسحاق بن إبراهيم الغماري السعيدي الجابري، قاضي فاس وسبتة وشلب (ت 609).

- أبو زيد عبد الرحمن بن يوسف الفاسي الشهير بابن زانيف (ت 612ه)، كانت تشد إليه الرحال في مذهب مالك.

- أبو زيد عبد الرحمن السهيلي المالقي الذي شرح ما في سيرة ابن هشام من لفظ غريب، وأعرب غامضه ومستغلقه في كتابه: "الروض الأنف".

- أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المراكشي أعظم نحاة العصر (ت 607) له "المقدمة الجزولية في النحو" وتعرف بالقانون والاعتماد، لها شروح عديدة أشهرها شرح ابن عصفور (ت 633ه) وشرح الشلوبين (ت 660).

- ابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، ورسالة في النفس وغيرهما.

- وابن رشد الذي ترجم مؤلفات أرسطو وبسطها، والذي قال فيه المستشرق رينان (ت 1892): "لولاه لما فهمت فلسفة أرسطو".

- ابن سبعين الذي أجاب على أسئلة ملك إيطاليا الموجهة إلى فلاسفة سبتة.

- أبو العباس أحمد بن جعفر السبتي دفين مراكش سنة 601ه، وصاحب مذهب خاص في الصدقة.

- وأبو محمد عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم بين 622 و625ه، وهو شيخ أبي الحسن الشاذلي الشهير المتوفى سنة 656ه.

- أبي الحسن علي بن فرحون القرطبي الذي كان يدرس الحساب والفرائض بفاس صاحب كتاب "اللباب في مسائل الحساب" من الكتب التي كانت معتمدة آنذاك.

- أبو الحسن علي بن يقظان السبتي المتوفى سنة 544 ه.

- أبو بكر يحيى بن محمد بن بقي السلوي المتوفى سنة 563ه.

- أبو الحجاج يوسف بن يحيى الفاسي المتوفى سنة 623ه، له كتاب في الأغذية، وآخر في شرح الفصول لأبقراط.

 الشعراء في عصر الموحدين

تبين لنا أن الازدهار الفكري والعمراني في عصر الموحدين كان عظيما وشاملا لم يعرف المغرب نظيره قبلهم ، وكان الخلفاء يقيمون ندوات ومجالس يستدعون إليها الشعراء، ويستمعون إليهم، أشهرها الندوة التي أقامها عبد المومن على ظهر جبل الفتح (جبل طارق) بعدما أعاد الأمن إلى الأندلس، أبان فيها على شعور مرهف بالجمال وتذوق كبير للشعر.

وكان هؤلاء الشعراء نوعان ،شعراء عاصروا عهدي المرابطين والموحدين وانتصروا لهؤلاء وساروا في تيارهم المذهبي، يمدحون الخلفاء ويصفون فتوحاتهم وانتصاراتهم، ويمثل الاتجاه ابن حبوس الفاسي الذي أسرع بالإيمان بالدعوة المحمدية، وله في عبد المومن خاصة عدة قصائد.

وشعراء نشأوا في أحضان الدولة، ووهبوا نفسهم وشعرهم لها، فكانوا لسان حالها المعبر عن مواقفها والمدافع عن كيانها من خلال مدح الخلفاء والإشادة بانتصاراتهم وفتوحاتهم، ويأتي أبو العباس الجراوي في طليعتهم، ويعتبر شاعر الدولة الرسمي، إذ يكاد يكون كل شعره فيها، مما جعل عبد المومن يقول له: (يا أبا العباس إنا نباهي بك أهل الأندلس) ؛ ومن أحسن شعره قصيدته في معركة الأرك، ومطلعها:
هو الفتح أعيا وصفه النظم والنثرا ...... وعمت جميع المسلمين به البشرى
إذا كانت دعائم الفكر المغربي قد ركزت وأثبتت في العهد المرابطي، فإنه قد بلغ شأنا كبيرا من الازدهار في العصر الموحدي، وكان هذا الازدهار عاما وشاملا عم مختلف العلوم والآداب والفنون بدون استثناء.

"علم الفلاحة في الأندلس" العلاّمة النباتي ابن بصال الطليطلي

العلاّمة النباتي ابن بصال الطليطلي "علم الفلاحة في الأندلس"
العلاّمة النباتي ابن بصال الطليطلي "علم الفلاحة في الأندلس"

 "علم الفلاحة في الأندلس" العلاّمة النباتي ابن بصال الطليطلي 

كان للحضارة الإسلامية أثرها البالغ في مختلف الجوانب في الحياة ، ولعل منها الجانب الاقتصادي الذي يشكل قطاعا هاما من قطاعات التعاملات، فبدايةً بالزراعة التي تُعتبر رافعة مهمّة للإقتصاد وتطوير المجتمعات و صلابة تماسكها فالأمن الغدائي الركيزة الأولى في التطوير الحضاري لإي مجتمع، لذالك أخذت الفلاحة في المجتمع الإسلامي من العناية الشيء الكثير لكونها تزدهر في عهد الدول التي تعمل على توفير مياه الري واستصلاح الأراضي وتيسير نقل المحاصيل.لا يخفى على المهتمين بالشأن الفلاحي ما أسهمت به المدرسة الأندلسية في تقدم علوم الزراعة والري .

إشتهرت زراعة الحبوب والفواكه والقطن والأزهاروالخضروات والنباتات المختلفة التي تُعد مصدراً للأدوية والعقاقير تحت ظلِّ الحضارة الإسلامية ، وقد أدخل العرب تحسينات كثيرة على طرق الحرث والغرس والري، وهذا ماجعل الأندلس مثلاً في عهدهم (جنة الدنيا) ومن هنا نقل الأوروبيون الكثير من الزراعات وطرق الري إلى أوروبا واهتموا بها ليحظوا بمثل ذلك التطور الزراعي الإسلامي ولذلك كان التاثير واضحاً هنا من خلال هذا النقل والتقليد.

الفلاحة في الأندلس

كان أهل الأندلس من أنبغ الشعوب في فلاحة الأرض وتربية الماشية وغرس الحدائق وتنظيم طرق الري والصرف ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة وخواص النبات. وكانت مزارعهم وحدائقهم مضرب الأمثال في الجودة والنماء وقد نقل العرب من المشرق وشمال إفريقية إلى إسبانيا، كثيرا من المحاصيل والأشجار كالقطن والأرز وقصب السكر والزعفران والنخيل الذي ما زالت تزدان به الحدائق والمدن الإسبانية الجنوبية والزيتون الذي غدا فيما بعد، وحتى اليوم، أعظم محاصيل إسبانيا، وكانت بسائط شبه الجزيرة الإيبيرية في أيامهم رياضا نضرة، وكانت حقول القمح وغابات الزيتون وحدائق البرتقال والرمان والكروم، من أبدع ما ترى العين في وديان الأندلس ومروجها، وأما نبوغ مسلمي الأندلس في تنظيم وسائل الري والصرف واستجلاب المياه وتوزيعها بالطرق الفنية، فما زالت تشهد به آثارهم الباقية إلى الآن في وديان الأندلس، من القناطر والجداول الدارسة، وما زالت ثمة مناطق كثيرة ولاسيما في أحواز بلنسية ومورسيا تقوم في زراعاتها على مشاريع الري الأندلسية القديمة. وكان لأهل الأندلس شهرة خاصة في غرس الحدائق وتنظيمها، وقد كانت حدائق رصافة الأندلس  والزهراء والزاهرة وطليطلة وإشبيلية بدائع تشهد لهم بوفرة البراعة وحسن الذوق، وكانت روعتها مستقى لخيال الشعراء والكتاب، وما زالت هذه البراعة حتى اليوم، عَلـَما على جمال الحدائق الأندلسية.

جدير بالذكر أن معظم علماء النبات والزراعة المسلمين، قد نبغوا في الأندلس، وأن الزراعة، لم تصل في أي بلد آخر في العالم الإسلامي، بل في سائر العالم المعروف يومئذ، إلى ما وصلت إليه في الأندلس من التقدم والازدهار. ويرجع ذلك أولا إلى طبيعة شبه الجزيرة الإيبيرية، وكثرة أنهارها ووديانها، وبقاعها الخصبة وتنوع إقليمها وتربتها، وثانيا إلى نبوغ أهل الأندلس في الفنون الزراعية، وبراعتهم المثالية في فلاحة الأرض وغرسها واستخراج ثمراتها، فكانت الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة.

من هو ابن بصال الطليطلي ؟

الحاج أبو عبد الله إبراهيم الطليطلي المعروف بـابن بصال (ازدهر بين عامي 1038 - 1075)، عالم نبات وأحد أشهر علماء الفلاحة في القرن 12 (القرن 5 هـ). ولد في طليطلة في إشبيلية جنوب أسبانيا كان من أوائل من ألف في الفلاحة، ومارسها في بلده طليطلة علمًا وعملًا، بحيث كان ينتقل من الدراسة النظرية إلى العمل التجريبي، وسمي بابن البصال نسبة إلى إشتغاله الكثير بزاعة البصل.

كتاب الفلاحة لابن بصال

ويعتبر كتاب ابن بصال أحد أهم الكتب التي وصلتنا في مجال الزراعة الأندلسية، ويضم الكتاب جميع ما يتعلق بفن الزراعة، ويذكر محققا كتاب الفلاحة لابن بصال (كتاب الفلاحة، نشره وترجمه وعلق عليه: خوسي مارية مياس بييكروسا، ومحمد عزيمان معهد مولاي الحسن، تطوان 1955م)، الإشارات المتعلقة بابن بصال في كتب معاصريه ومن جاء بعده من المؤلفين مرتبة ترتيبا تاريخيا مبتدئين بكتاب النبات لأبي الخير الأشبيلي -المجهول المؤلف زمن نشر كتاب ابن بصال- الذي عنوانه "عمدة الطبيب في معرفة النبات لكل لبيب"، وهو الكتاب الذي قام المستعرب آسين بلاسيوس بدراسته، وقد ألف كتابه بعد سنة 488هـ / 1095م، وأبو الخير الأشبيلي يردد بين حين وآخر صدى مذكرات جرت بينه وبين ابن بصال في الأندلس على ما يظهر، ولعلها كانت في قرطبة أو إشبيلية حيث توجه ابن بصال بعد سقوط طليطلة في يد المسيحيين الصليبيين سنة 478هـ / 10855م.

إنتقال ععلوم الفلاحة إلى أروبا عبر الأندلس

إذا كان علماء النبات الأندلسيين، هم أعظم من نبغ في هذا الميدان، في العالم الإسلامي فإنّ الفنون الزراعية، انتقلت على يد الرواد المسلمين، وعلى يد المحلات الإسلامية المتعددة التي قامت خلال القرن العاشر الميلادي في جنوبي فرنسا، وفي ليجوريا وجنوبي سويسرا، إلى شعوب هذه الأقطار. ويقال أن القمح الأسود الذي يعتبر اليوم من أهم محاصيل فرنسا الجنوبية إنما هو أثر من آثار أولئك الرواد، فهم الذين نقلوا بذوره إلى فرنسا، وهم أيضا الذين نقلوا فسائل النخيل الذي مازالت تزدان به شواطئ الريفييرا.

إن علماء الزراعة المسلمين، هم كذلك أعظم الرواد في هذا الميدان في العصور الوسطى. ولدينا من هؤلاء الرواد عدة من العلماء الأندلسيين، نستطيع أن نذكر من هؤلاء كبار أئمّتهم في علوم الفلاحة كإبن بصـّال الطليطلي، وابن مالك الطغنري الغرناطي، وابن العوام الإشبيلي وابن لونكو القرطبي".

ولسنا نعرف الكثير عن حياة أولئك العلماء الزراعيين وإن كانت كتبهم تشهد بنبوغهم الفائق في هذا الميدان. فأما ابن بصـَّال فقد عاش في طليطلة في عصر بني ذي النون، ملوكها من الطوائف، في أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) وكان يعنى بالإشراف على حدائق بني ذي النون الفخمة التي كانت "بالمنية" الشهيرة التي أنشأوها خارج طليطلة على منحنى نهر التاجه. وقد اشتهر ابن بصـّال يومئذ بتجاربه العلمية الناجحة في توليد الغراس، ومكافحة الآفات الزراعية.

بين الحجاج بن يوسف و خالد بن يزيد بن معاوية

بين الحجاج بن يوسف و خالد بن يزيد بن معاوية
بين الحجاج بن يوسف و خالد بن يزيد بن معاوية

بين الحجاج بن يوسف و خالد بن يزيد بن معاوية

من هو خالد بن يزيد بن معاوية ؟

خالد بن يزيد بن معاوية هو حفيد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان وابن الخليفة الثاني يزيد بن معاوية.الإمام البارع ، أبو هاشم القرشي ، الأموي الدمشقي ، أخو الخليفة معاوية ، والفقيه عبد الرحمن كان مهتماً بالعلوم وراعيا للمشتغلين بها، وهو أول من اهتم من العرب بعلم الكيمياء وترجم فيه الكتب من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية ، وألف فيه رسائل.
كان من بيت الخلافة في دمشق وبعد أن تنازل أخوه معاوية بن يزيد وطلبها متنازعاً عليها مع عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فذهبت إلى مروان بن الحكم واتجه هو إلى طلب العلم، وخصوصاً علم الكيمياء فأصبح من أشهر العلماء العرب.
فقد تعلم خالد بن يزيد هذه الصنعة واستحضر من الأقباط المتحدثين بالعربية مثل مريانوس، وشمعون، وإصطفان الإسكندري، وطلب إليهم نقل علوم الصنعة إلى العربية.

إنَّها قريش يُقارعُ بعضها بعضاً

لمّا قُتِلَ عبد الله بن الزبير حجَّ خالد بن يزيد بن معاوية ؛ فخطبَ رملة بنت َالزبير بن العوّام ، فأرسل إليه الحجّاجُ حاجبهُ عبيد الله ، فقال له يقول لك الأمير يقصد الحجّاج :" ما كُنتُ أراكَ تخطب إلى آلِ الزبير حتّى تُشاورني ! وكيف خطبت إلى قومٍ ليسو لك بأكفاء ، وهم الذين قارعوا أباك على الخلافة ، ورموهُ بكلِّ قبيحة ، و شهدوا عليه و على جدِّك بالضلالة ".

فنظرَ إليه خالد طويلاً ، ثمَّ قال له : لولا أنّك رسول - و الرسول لا يعاقب لقطّعتُكَ إرْبًا إرْبًا ، ثُمَّ طرحتكَ على باب صاحبك ؛ قل له : ما كُنتُ أرى أنَّ الأمور بلغت بكَ إلى أن أشاورك في خطبة النساء. و أمّا قولك لي : قارعو أباك ، و شهدوا عليه بكل قبيح ، فأنّها قريش يُقارع بعضها بعضا ؛ فإذا أقرَّ الله عزَّ و جلّ قرارهُ كان تقاطعهم و تراحمهم على قدر أحلامهم و فضلهم . وأمّا قولك ؛ إنّهم لسو بأكفاء، فقاتلك الله يا حجّاج ؛ ما أقلّ الله علمك بأنساب قُريش ! أيكون العوّامُ كفؤاً لعبد المطلب بن هاشم بتزويجه صفيّة ، و يتزوّجُ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم خديجة بنت خويلد ، و لا تراهم أهلاً لأبي سفيان؟! !

فرجع الحاجب للحجّاج و أعلمه.

فضل شهر رمضان

فضل شهر رمضان
فضل شهر رمضان


فضل شهر رمضان

شهر رمضان شهر مبارك فهو شهر القرآن و الغفران ، روى الإمام أحمد في مسنده (7148) ـ واللفظ له ـ، والإمام النسائي في سننه (2106) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ؛ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا قَدْ حُرِمَ».

وصحَّحه العلاَّمة الألباني ـ رحمه الله ـ في «تمام المنة» (ص: 395).

و هناك علاقة وطيدة، ورباط متين بين القرآن وشهر الصيام، تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِل على كتاب الله بشغف بالغ، فيتدبر آياته، ويتأمل قصصه، وأخباره وأحكامه، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين، وتدوي في المآذن آيات الكتاب المبين، معلنة للكون أن هذا الشهر هو شهر القرآن، ولقد كان جبريل -عليه السلام- يأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيدارسه القرآن كل ليلة في رمضان - كما في "الصحيحين"-.

وكان يعارضه القرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عارضه جبريل القرآن مرتين.

و في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليهم وسلم- أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان".

فمن بركات رمضان: أنه شهر الجود، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- هو أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فقد كان صلى الله عليه وسلم كريماً معطاءً، يجود بالمال والعطاء بفعله وقوله، يعطي صلى الله عليه وسلم عطاء من لا يخشى الفقر، قال الله تعالى: (من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) [البقرة: 245].

من أنواع الجود والذي هو من بركات هذا الشهر الكريم: تفطير الصائمين، قال صلى الله عليه وسلم مبشرا: "من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء"[رواه أحمد].

معنى البركة في اللفظ


أصل لفظة «البَرَكَة» مُشْتَقٌّ مِنْ: «بَرَكَ»، وإذا نظَرنا في القواميس والمعاجم اللُّغَوِيَّة؛ وَجدنا أنَّ مادَّةَ (الباء والرَّاء والكاف) تتضمَّنُ معنَيَين:

الأوَّل: الزِّيادة والكَثْرَة والنَّماء، ومن ذلك سَمَّوْا الماء الكثير المجتَمِع: «البِرْكَة».

قَالَ الْخَلِيلُ بن أحمد الفراهيدي ـ أحد أئمَّة اللغة ـ: «الْبَرَكَةُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ».

الثاني: الثُّبوت واللُّزوم والاستقرار، ومنه: بُروكُ البَعِير، الذي يدُلُّ على مُلازَمَتِه، وثُبُوتِه، واستقراره في ذلك المكان. وعلى هذا؛ فالبَرَكَةُ هي: كَثْرَةُ الخَيْرَات والنِّعَمِ، وزيادَتُها، وثُبُوتُها، واستقرارُها.

وعلى هذه المعاني الثلاثة: «الزيادة والثُّبوت والاستقرار» تدور تَصَارِيفُ كلمة «البَرَكَة»، وبهذه المعاني ـ أيضا ـ جاءت كلمة البركة في كتاب الله عز وجلَّ وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فحيثُما وجدت في القرآن أو في السنَّة لفظة «البركة»، أو ما تصرَّف منها، فمعناه: كثرةُ الخَيْرِ ودوامُه.

لهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في «بدائع الفوائد» (2/182ـ 183) في بيان الحكمة في إفراد السَّلام والرحمة، وجَمْعِ البركة في تحيَّة المسلمين وهي «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه»:

«وأمَّا البَرَكة، فإنَّها لما كان مُسَمَّاها كثرةُ الخَيْرِ واستمرَارُهُ شَيْئًا بعد شيءٍ، كُلَّما انقَضَى منه فَرْدٌ، خَلَفَهُ فَرْدٌ آخَرُ، فهو خَيْرٌ مُسْتَمِرٌّ يَتَعَاقَبُ أَفْرَادُهُ على الدَّوَامِ، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ كان لفظ الجَمْعِ أولى بِهَا، لدِلاَلَتِه على المعنى المقصودِ بها, ولهذا جاءت في القرآن كذلك في قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، فأَفردَ الرَّحمةَ، وجَمَعَ البركة، وكذلك في السَّلام في التشهُّد: «السَّلامُ عَلَيكَ أيُّها النَّبِيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه».

أصل البركة وما مصدرها

البركة أصلها من الله تبارك وتعالى، فهو أصل كل خَيْرٍ وزِيادَتِه ونمَاَئِه في هذا الوجود، وقد جاء في الكتاب والسنَّة آياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ تقرِّرُ أنَّ البَرَكَةَ من الله جلَّ وعلا:

ففي الكتاب: قوله سبحانه: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾[هود:48]؛ أي بسلام مِنَّا وبركات مِنَّا عليك، وقوله سبحانه: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.

ولم يَرِدْ الفعل «بَاركَ» في القرآن الكريم؛ إلاَّ مُسْنَدًا إلى الله تبارك وتعالى، وذلك بضمير المتكلم، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾[الأعراف:137]، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[الإسراء:1].

وأيضا؛ فإنَّ اسم المفعول «مُبَارَك» لا يُطلَقُ على شيءٍ؛ إلاَّ لإيجاد الله تعالى البركة فيه، من بركات شهر رمضان:

إذا تقرَّر هذا فلا غَرْوَ أنْ يكونَ شهرُ رمضان كذلك؛ إذْ يَحْصُلُ فيه من زيادة الأجر والثَّواب ما لا يُحْصيه إلاَّ الْعَزِيزُِ الْوَهَّاب، كما أنَّه يشتمل على الفضائل والمنافع الدِّينيَّة والدُّنيوية ما لا يُحصيه إلاَّ رَبُّ البَرِيَّة.

أوَّلا: مُضَاعَفةُ الأجْرِ في صَوْمِه: ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ؛ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وفي رواية لمسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/113): «وقوله تعالى: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» بيانٌ لِعِظَمِ فَضْلِهِ، وكَثْرَةِ ثَوَابِهِ؛ لأَنَّ الكريمَ إذا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى بِنَفْسِه الجَزَاءَ؛ اقْتَضَى عِظَمَ قَدْرِ الجَزَاءِ، وسَعَةِ العَطَاءِ».

ثانيا: أنَّ فِيهِ ليلَةً عظيمة ًهي خَيْرٌ من ألْفِ شَهْرٍ: وهي ليلة القدر، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾[القدْر]؛ قال الإمام الطبري في «تفسيره» (24/534) في معنى هذه الآية: «عملٌ في ليلة القدر خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلفِ شهرٍ، ليس فيها ليلةُ القدرِ».

لهذا فإنَّ الله تعالى وصف هذه اللَّيلةَ بأنَّها مباركةٌ، فقال سبحانه: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِين * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾[الدخان:1-4].

ثالثا: أنَّ عُمْرَةً فيه تَعْدِلُ حَجَّةً: ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال للمرأة الأنصاريَّة التي فاتَها الحجُّ معه: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فَاعْتَمِرِي؛ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً»، وفي رواية للبخاري: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي».

وقد نبَّه الفقهاء على أمر مهمٍّ في هذا الحديث، وهو أنَّ عمرةً في رمضانَ تَعْدِلُ الحجَّةَ في الثَّواب، لا أنَّها تقومُ مَقَامَهَا في إسقاطِ الفَرْضِ.

ومِنْ بَرَكاتِ رمضان ـ أيضا ـ :ما حدَثَ فيه من الأمور الشريفة التي كان عاقبتها الخير الكثير، وأعظمُها:

رابعا: نُزولُ القرآن الكريم: كما أخبر الله تعالى بذلك في محكم التنزيل، فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[البقرة:185].

وقد وصف الله تعالى كتابَه الكريم بالبرَكَة في غَيْرِ مَا مَوْضعٍ منه، وذلك لمِاَ اشتمَلَ عليه مِنَ النَّفْعِ العظيم والخير المتَضاعَف، فقال سبحانه: ﴿وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون﴾[الأنعام:92].

خامسا: نزول الكتب السماوية الأخرى فيه: فقد روى الإمام أحمد والطبراني عَنْ وَاثِلَةَ بن الأسقع رضي الله عنه، مرفوعا: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ». وحسَّن إسناده العلاَّمة الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1575).

وقد حَصَلَ للنَّاس بهذه الكُتُب من الخيرات ما لا يُحصيه إلاَّ ربُّ الأرض والسَّموات، فما من خير و لا صَلاَحٍ على وجه البسيطة؛ إلاَّ ببركة هذه الكتب، وما مِنْ شَرٍّ و لا فسادٍ عليها إلاَّ بسبَبِ مُخالَفَتِها وتَنَكُّبِ ما جاءَ فيها.

سادسا: وقوع المعارك والفتوحات الكبرى فيه: فمن الأمور العظيمة التي حصَلَتْ في هذا الشَّهر الكريم، وعادت على أهل الإسلام بالنَّفع العَمِيمِ، ما وقع خلاله من الفتوحات الكبرى والمعارك التي كان فيها نصر للحقِّ وأهله، ودَحْرٌ للباطل وأهله، فمن تلك المعارك:

غزوة بدر الكبرى (2 هـ): قال ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» (9/11): «وفي السنة الثانية كانت وقعة بدر الكبرى في شهر رمضان في سابع عشرة، وقيل: تاسع عشرة، وكانت يوم الجمعة».

فتح مكة (8 هـ): قال الإمام الطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (2/165): «قال ابن إسحاق وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان»

فتح الأندلس (92 هـ): قال عبد الواحد بن علي المراكشي في «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» (1/18): «افتتح المسلمون جزيرة الأندلس في شهر رمضان سنة 92 من الهجرة، وكان فتحها على يدي طارق، قيل: ابن زياد، وقيل: ابن عمرو، وكان واليًا على طنجة...».

معركة الزلاقة (479 هـ): قال الإمام الذهبي في «العبر في خبر من غبر» (2/40) في حوادث سنة تسع وسبعين وأربعمائة: «وفيها وقعة الزلاقة، وذلك أن ألفونش جَمَعَ الجيوش، فاجتمع المعتمد ويوسف بن تاشفين ـ أميرُ المسلمين ـ والمطوّعة فأتوا الزلاّقة ـ مِنْ عَمَلِ بطليوس ـ، فالتقى الجمعان، فوقَعَتِ الهزيمة على المَلاَعِينِ، وكانت مَلحَمَةً عظيمةً في أوَّل جُمُعَةٍ من رمضان...».

معركة عين جالوت (685 هـ): قال الإمام ابن كثير في «البداية والنهاية» (13/255 ـ 256): «والمقصود أنَّ المُظَفَّر قطز لمَّا بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة، وأنَّهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أنْ يُبَادروه، وبرزَ إليهم، وأَقْدَمَ عليهم قَبْلَ أنْ يَقْدُمُوا عليه، فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام، واستيقظ له عسكر المغول، وعليهم كتبغانوين....»

إلى أنْ قال: «فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالا عظيما،

فكانت النصرة ـ ولله الحمد ـ للاسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمةً هائلةً، وقُتِلَ أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته..».

نسألُ الله سبحانه و تعالى أنْ يُوَفِّقَنا لنَيْل بركات هذا الشهر الفَضِيل، واغتنام أوقاته، والتعرَّض لنفحات الله تعالى فيه.

آمين والحمد لله رب العالمين.

ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية

ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية
ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية


ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية

من هو الإمام ابن إسحاق ؟

ابن إسحاق وهو الإمام أبو بكر محمد بن اسحاق بن يسار بن خيار المدني. كان مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب القرشي، ولد في المدينة سنة 85 هـ/703م، وبها نشأ، وكان فتى جميلا وقرأ على علمائها ومحدثيها، وكان جده يسار من سبي قرية عين التمر حين أفتتحها المسلمون في خلافة أبو بكر الصديق، سنة 12 هـ، وقد وجده خالد بن الوليد في كنيسة عين التمر من بين الغلمان الذين كانوا رهنا في يد كسرى فأخذه خالد إلى المدينة.

علم الإمام ابن إسحاق

جالس الإمام ابن إسحاق رحمه الله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم و أخد عنهم ، وطاف البلاد، وسمع من جمع كبير في مصر، والحجاز والعراق، والري وما بينها، ومنهم: أبوه، وعمه موسى بن يسار، وأبان بن عثمان، والأعرج ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومكحول، ونافع العمري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ومحمد بن المنكدر، وطاوس بن كيسان رحمهم الله.

وحدَّث عنه شيخه يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري -وهما من التابعين- وشعبة والثوري، والحمادان، وأبو عوانه، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وخلقٌ كثير. قال محمد مسلم بن شهاب الزهري، وقد سئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس -يعني محمد بن إسحاق. وروى حرملة عن الشافعي قال: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق". وقال شعبة: "محمد بن إسحق أمير المؤمنين في الحديث". وجاء عن البخاري قوله: "محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون عنده ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد". قال ابن سعد في الطبقات: "كان محمد بن إسحق أول من جمع مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وألَّفها، وكان يروي عن عاصم ابن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهم ويروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وكانت امرأة هشام بن عروة، فقال: هو كان يدخل على امرأتي ؟ كأنه أنكر ذلك".

مؤسس فقه السيرة النبوية

كان ابن إسحاق ومازال إمام المغازي والسير، وهو حافظ علامة، أحد من دار عليهم الحديث والإسناد، وقد أثنى عليه في علم المغازي والسير، غير واحد من شيوخه وأقرانه والأئمة عبر العصور، ويعتبر الؤسس الأول لعلم السيرة النبويّة العطِرَة ، فهو أول مؤرخ عربي كتب سيرة النبي محمد صلَّى الله عليه وسلّم وأطلق تسمية "سيرة رسول الله" على كتابه.

وعند علماء المسلمين إجماع على أن أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق وقد اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه، إلا ما روي عن مالك، وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحه، وقد تكلم فيه مالك وهشام بن عروة، واتُهم بغير نوع من البدع، ودافع عنه عدد من العلماء بدءًا بالبخاري. قال البخاري: "والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين أمره، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك، أخرج إلي كتب ابن إسحق عن أبيه في المغازي وغيرها فانتخبت منه كثيرًا.

قضى الإمام ابن إسحاق معظم حياته في المدينة وبدأ بجمع الروايات المختلفة من مختلف المصادر الشفهية التي كانت متوفرة آنذاك ولم يكن اهتمامه الرئيسي منصبا على تدقيق صحة الروايات وإنما كان غرضه جمع كل مايمكن جمعه من معلومات عن الرسول محمد. وفي عام 115 هـ، الموافق 733 م، بدأ بالتنقل من المدينة إلى الإسكندرية ثم إلى الكوفة والحيرة ليستقر في بغداد حيث وفر له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور كل الدعم الممكن لأن يكتب عن تاريخ الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: "وهو أول من دوَّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا، ولكنه ليس بالمجود كما ينبغي". وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: "إمام المغازي، ولهذا علق عنه البخاري في صحيحه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره، وأخرج له غيرهما".

لقد بلغ ابن إسحاق في تصنيفه الذروة في علم السيرة من حيث الحشد والجمع والتنقير ثم من حيث المنهج إذ بدأ بالمبعث وما قبله، ثم بالمغازي واحدة تلو أخرى، ولهذا فقد انتشر مصنفه في عصره، وما تلاه في شرق الأرض وغربها.

درسه الدارسون من نواح عديدة قديمًا وحديثًا، وبقيت سيرته عبر العصور أم المصنفات في هذا الباب، وإليها المرجع على الدوام، وإن كانت هنا انتقادات وملاحظات، ولقيت من العناية والرعاية مالم يلقه كتاب آخر في السيرة، بل أستطيع أن أقول: "إن ما كتب من كتب السيرة بعده كان هالة حول هذا الكتاب". فابن سعد تلميذ الواقدي الذي جعل كتاب ابن إسحاق موازيًا لكتاب شيخه الواقدي، ومرورًا بالأعلام بعد ابن سعد عبر القرون وإلى يومنا هذا، مما يؤكد كلمة ابن عدي أن هذه الفضيلة سبق بها ابن إسحاق، ولم يبلغ من بعده مبلغه.

تهذيب ابن هشام لسيرة ابن إسحاق

ومن أبرز من عُني بهذا الكتاب حتى نسب إليه هو عبد الملك بن هشام المتوفى 218هـ؛ إذ حاول تهذيب الكتاب وتشذيبه، أي أنه أرد أن يُقوم ما يراه في الكتاب من عوج ومن خلال كلامه نتبين المآخذ على ابن إسحاق. قال ابن هشام: "وتارك بعض ما ذكره ابن إسحق في هذا الكتاب مما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له ولا شاهدًا عليه لما ذكرت من الاختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من المعرفة بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره.

كتابه المغازي

ألف ابن إسحاق كتابه المغازي من أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر، ومن المؤسف أن هذا الكتاب لم يصل إلينا، فقد فُقِدَ فيما فُقِدَ من تراثنا العلمي الزاخر، ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظا بما رواه عنه ابن هشام في سيرته عن طريق شيخه البكائي الذي كان من أشهر تلامذة ابن إسحاق.

وفاة ابن إسحاق

توفي محمد بن اسحاق في بغداد سنة 151 هـ/ 768م، ودفن في مقبرة الخيزران.

أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني
أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

أبو الفرج الأصفهاني (284هـ/897م - 14 ذو الحجة 356 هـ/20 نوفمبر 967م)، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي ، ينتهي نسبه الى مروان بن محمد آخر خلفاء الامويين، وأُمّه شيعية من آل ثوابة، كان أديبا عربيا، ومن الأعلام في معرفة التاريخ والأنساب والسير والآثار واللغة والمغازي. وله معارف أُخر في علم الجوارح والبيطرة والفلك والأشربة. ولأبي الفرج شعر قليل، جيّدُه في الهجاء، فقد كان هجّاءً خبيث اللسان، يتقيه الناس. وكان، على تشيّعه الظاهر، يراسل الأمويين في الأندلس، وحصل له فيها مصنفات لم تنته إلينا، فأجزلوا له العطايا سرّاً. ولد في أصبهان في خلافة المعتضد بالله ابي العباس ، ونشأ وتوفي في بغداد.

مولده ونشأته وعلمه

ولد في مدينة أصبهان عام 284 هـ الموافق 897م، ومن هنا لحقته النسبة إلى هذه المدينة، مع أنه لم ينشأ بها، وإنما نشأ في مدينة بغداد وجعلها موطنا له، حتى إن داره التي كان يسكنها ببغداد معروفة، ونص على أنها واقعة على نهر دجلة في المكان المتوسط بين درب سليمان ودرب دجلة، وهي ملاصقة لدار الوزير أبي الفتح البريدي.

لقد نشأ أبو الفرج في بغداد بعد تركه أصفهان وأخذ العلم عن أعلامها، وكانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم والعلماء ومثابة الأدب والأدباء ومهوى أفئدة الذين يرغبون في الالمام بالثقافة أو يودون التخصص في فروعها.

وروى عن علماء كثيرين يطول تعدادهم، وسمع من جماعة لا يحصون ومنهم ابن دريد إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، والفضل بن الحباب الجمحي، والأخفش العالم النحوي الكبير، والأنباري، والطبري، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وقدامة بن جعفر وآخرون .

وقد أخذ أبو الفرج نفسه بالجد في طلب العلم فنبغ وتفوق، وكان له من توقد ذكائه وسرعة حفظه وشغفه بالمعرفة ما مكن له من ناحية التفوق وذلل له من شماس النبوغ وجعله ينهض بتأليف كتاب الأغاني، ولما بلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألف كتابه مقاتل الطالبيين.

روى عن علماء كثيرين يطول تعدادهم، وسمع من جماعة لا يحصون ومنهم ابن دريد امام عصره في اللغة والأدب والشعر، والفضل بن الحباب الجمحي الراوية، والاخفش العالم النحوي الكبير، وابن الانباري، والطبري، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وجعفر بن قدامة احد مشايخ الكتاب وعلمائهم.

وقال عنه ابن خلكان: «كان من اعيان ادبائها (بغداد) وأفراد مصنفيها، روى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالماً بأيام الناس والانساب والسير».

كان أبو الفرج ذا شخصية ثقافية متعددة الجوانب كثيرة المعارف. ويكفينا للتعريف بشخصيته الثقافية هذه الشهادة التالية التي منحها له معاصره : القاضي التنوخي الذي يقول فيه : «ومن الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنه كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والحديث المسند والنسب، ما لم أر قط من يحفظ مثله! وكان شديد الاختصاص بهذه الأشياء، ويحفظ دون ما يحفظ منها علوما أخر، منها : اللغة، والنحو، والخرافات، والسير، والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح والبيطرة ونتفا من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك».

وقال ياقوت في معجم الادباء: «العلامة النسابة الاخباري الحفظة، الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراسة، لا اعلم لأحد احسن من تصانيفه في فنها وحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه، وكان مع ذلك شاعراً مجيداً».

وقال ابن النديم في كتاب الفهرست «كان شاعراً مصنفاً ادبياً، وله رواية يسيرة، واكثر تعويله كان في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط او غيرها من الاصول الجياد».

قال الذهبي: صاحب الأغاني العلامة الأخباري أبو الفرج، كان بحرا في نقل الآداب، وكان بصيرا بالأنساب وأيام العرب، جيد الشعر. والعجب أنه أموي شيعي! وكان وسخا زريا، وكانوا يتقون هجاءه.

قال ابن خلدون: وقد ألف القاضي أبو الفرج الاصبهاني كتابه في الاغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الاحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها الاديب ويقف عندها وأنى له به.

كانت لابي الفرج مكانته الاجتماعية العالية في منتديات بغداد الأدبية ومجالسها العلمية ، بسبب الحظوة الكبيرة التي نالها من ركن الدولة البويهي الذي صيره كاتبا له . وكانت مثل هذه الوظيفة سببا وجيها لرفع مكان أبي الفرج في الوسط الاجتماعي والسياسي للدولة العباسية .

ممن تأثّر بهم ابا الفرج الاصفهاني الى حد بعيد اسحاق الموصلي فهو يقول: «ان موضعه في العلم، ومكانه في الادب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن.. اشهر من ان يدل عليه فيها وصف. اما الغناء فكان اصغر علومه، وأدنى ما يوسم به، وان كان الغالب عليه، وعلى ما كان يحسنه: فإنه كان له في سائر ادواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير، فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، والحب للناس طريقة فأوضحها، وسهل عليهم سبيله وانارها، فهو امام اهل صناعته جميعاً، ورأسهم ومعلمهم. يعرف ذلك من الخاص ومن العام. ويشهد به الموافق والمفارق وهو الذي صحح اجناس الغناء وطرائقه، وميزه تميزا لم يقدر عليه احد قبله ولا تعلق به احد بعده».

و كذلك تأثّر بابن المعتز الخليفة الشاعر، اذ كانت له آراء جريئة في الفن الشعري والغناء فنقل عن آراء طريفة، واخبارا طيبة وروى احكامه النقدية في الغناء والمغنين وعلق على بعض اقواله بقوله: «هذا كلام العقلاء وذوي الفضل في مثله، لا كلام الثقلاء وذوي الجهالة».

واتصل ابو الفرج الاصفهاني بالوزير المهلبي وزير معز الدولة البويهي. ويقول الثعالبي في «يتيمة الدهر» ان ابا الفرج كان منقطعاً الى المهلبي الوزير كثير المدح مختصاً به».

وكان المهلبي يختاره في كل شيء مفرح وكانت صحبته له قبل الوزارة وبعدها، وظل هكذا الى ان فرق بينهما الموت. ومات المهلبي مغضوباً عليه من معز الدولة عام 352 هجرياً ولعل هذا هو السبب الذي منع ابا الفرج الاصفهاني عن رثائه.

مؤلفاته 

وللأصفهاني مجموعة كبيرة من المؤلفات نذكر منها كتاب «الاغاني» وكتاب «مجرد الاغاني»، وكتاب «التعديل والانتصاف في اخبار القبائل وانسابها»، وكتاب «مقاتل الطالبيين»، وكتاب «اخبار القيان»، وكتاب «الاماء الشواعر»، وكتاب «المماليك الشعراء»، ووكتاب «ادب السماع»، وكتاب «اخبار الطفيليين»، وكتاب «مجموع الاخبار والآثار»، وكتاب «الخمارين والخمارات»، وكتاب «الفرق والمعيار في الاوغاد والاحرار»، وهي رسالة كتبها في هارون بن المنجم، وكتاب «دعوة النجار»، وكتاب «جمهرة النسب»، وكتاب «نسب بني تغلب»، وكتاب «الغلمان المغنيين»، وغيرها...

وله فضلاً عن ذلك مؤلفات اخرى كان يرسلها الى المسؤولين على بلاد المغرب من بني امية، فكانوا يحسنون جائزته، ولم يعد منها الى الشرق الا القليل.

وللأصفهاني طائفة من الاشعار، وشعره جيد الا انه في الهجاء اجود، وان كان في غيره متأخر. وكان الناس في ذلك العهد يحذرون لسانه، ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومؤاكلته ومشاربته على كل صعب من امره، لأنه كان حاد الطبع غليظ القول: زد على ذلك ان لم يكن يهتم بمظهره او يعتني بملبسه، ولم يكن يخلع ملابسه الا بعد ان تتمزق ويبليها الزمن، ولم يكن يغسلها الا قليلاً! الا ان كتاب «الاغاني» يعد اهم الاعمال الادبية التي قام بها ابو الفرج.

يعد هذا الكتاب من كتب فن الغناء والموسيقى في العصر العباسي. حيث ألف الكثير وجاء أبو الفرج الأصفهاني ليأخذ كل ما في تلك الكتب من ميزات ومحاسن وليضيف إليها كل ما لديه من إمكانات ومقدرة فنية وعلم بهذا الفن الذي ارتفع في زمانه حتى وصل الذرى.

والقارئ إذا كان له إلمام بالموسيقى الشرقية وفن الغناء العربي يدرك مقدار تعمق أبي الفرج بهذا الفن. ولكنه بطبيعته الموسوعية، وتمثله معارف عصره كلها أراد أن يكون كتابه غاية ما ألف في مضماره وأعلاه، فما أتى بصوت مغني حتى رجع إلى قائل الشعر، وتوقف عند أخباره بعد ذكر اسمه ونسبه، فلا يترك شاردة ولا واردة إلا أتى بها.

ولم يكتف أبو الفرج بالصوت المغنى ولا القصيدة التي غنيت منها أبيات، وإنما رجع إلى كل ما قاله الشاعر أو إلى أكثره مع إيراد الأخبار المتعلقة بذلك الشاعر وعلاقته بعصره وصلاته بالناس، ولا سيما الطبقة العليا، وعلى وجه الخصوص الخلفاء والأمراء والوزراء.

وكتاب الأغاني والذي جاء ضمن خمس وعشرين جزءاً هو بحد ذاته تاريخ فن الغناء العربي، ما من مغن إلا وأفرد له أبو الفرج حيّزاً يخصه ويتحدث عنه وعن أخباره وفنه متوسعاً في ذلك ما أمكنه، لا يألوا جهداً في هذا المجال، ولا يقصر. وقد حاول أبو الفرج السير على طريقة معاصره في إسناد الأخبار فجاء بسلسلة الرواة الذين أوصلوا الخبر إليه أخيراً، ولم ينس أن يذكر الروايات كلها، وكأنها أراد بذلك أن يوثق كتابه. ولقد حوى الكتاب على الكثير من الأخبار المكذوبة ورد عليه الكثير من العلماء والفقهاء ومنهم العلامة الشاعر وليد الأعظمي في كتابهِ السيف اليماني في نحر الأصفهاني، وبين زيف أكاذيبه وبطلان أدعاءه، ويدرس كتاب الأغاني في كثير من الدول العربية كمصدر من مصادر التراث وهو يحوي هذه القصص الكاذبة والخرافية عن الخلفاء العرب والمسلمين.

وفاته

أُصيب أبو الفرج بالفالج آخر حياته، وقيل أنه خلّط قبل وفاته. توفي أبو الفرج في الرابع عشر من ذي الحجة سنة 356 هـ الموافق 21 نوفمبر عام 967 م في بغداد.

فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق

فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق
فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق 

فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق


سجل التاريخ اسم طارق بن زياد في أهم صفحاته نظراً للإنجاز العظيم الذي قام به حين فتح الأندلس مقيماً في ذلك دولة للمسلمين في بلاد الأندلس و التي تعرف اليوم باسبانيا و البرتغال حيث ظلت تلك الدولة قائمة لمدة ثمانية قرون ، كان طارق بن زياد قائدا ملهما شجاعا دخل الاندلس على رأس جيش تعداده اثني عشر ألف مقاتل واجهوا جيش لُذريق المكوّن من مائة و عشرون ألف مقاتل ، سطَّرَ طارق و جيشه بطولات ناذرة في معركة وادي بَرْبَاط، وتُسَمِّيها بعض المصادر أيضًا معركة وادي لُكَّة فكان النصر حليف المسلمين ففتح طارق الاندلس .

ومن القصص العجيبة قبل هذه المعركة ، أنَّ ملك الاسبان لُذريق و كان جبَّاراً رأى في منامه أنَّهُ راكب على فيل وأنَّ أمامه قوم ينقرون الطبول و في الصباح جمع الرهبان و القساوِسة و حكى لهم ما رأى في المنام فقالوا له جميعا: أبشر أيُّها الملك بالنصر، فدقُّ الطبول نصر و ركوب الفيل نصرُُ و إستعد للإحتفال به ، إلاّ أنه لم يقتنع فكاتب طارق بن زياد يطلب منه إرسال عالم له ليفسِّر له منامه ، فجمع طارق قواده وكان بينهم عالم مجاهد عُرف بالصلاح و الصيام إسمه محمد بن القاسم وكان شيخا طاعنا في السن ، فلمّا سمع ماجاء في كتاب الطاغية لُذريق و طلبه لمن يفسٍّرُ حلمه تطوّع ؛ فقال طارق إن لُذريق طاغية غاذر و أخاف أن يغدر بك و يقتلك بعد تفسير حلمه ! فقال الشيخ الصالح محمد بن القاسم : أيها القائد إنٍي رأيتُ في منام قبل صلاة الفجر رسول الله صلَّى الله عليه و سلّم فقال لي:" يا إبن القاسم إن أصبح الصباح فأغتسل و توضأ لأنك سَتَفطرُعندنا الليلة " و كان شهرمضان .

فودّعه طارق ، فدهب مع رسول الملك و دخل عليه فقال له الشيخ العالم إبن القاسم ماذا رأيت ؟

فقال لُذريق : إنِّي رأيتُ في منامي أنَّني راكب على فيل وأنَّ أمامي قوم ينقرون الطبول.

فقال الشيخ العالم إبن القاسم :أبشر بالهزيمة يا عدو الله .

قال لُذريق : كيف و قد فسّرها قومي بالنصر في المعركة !!!

قال الشيخ العالم إبن القاسم : سأفسِّرُها لك من كتاب الله من القرآن الكريم ، فأمَّا ركوبك ا لفيل فيقولُ الله عزَّ وجل في كتابه العزيز في سورة الفيل : " بسم الله الرحمن الرحيم ، ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ، ترْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ، صدق الله العظيم " .

فقال له لُذريق : فبماذا تفسِّرُ نقر الطبول ؟

قال الشيخ العالم إبن القاسم : وأمّا نقر الطبول فقال تعالى في سورة المدثر :" فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير" ، فأنا أُ بشِّرك بالهزيمة من كتاب الله يا عدو الله .

فثار الطاغية رذريقو و أمر بقتل العالم الصالح محمد بن القاسم و بات ليلته شهيداً مع الشهداء والصدِّيقين كما أخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فبدأت معركة وادي بَرْبَاط -أو وادي لكة الغير المتكافئة ظاهريًّا، والمحسومة بالمنطق الرباني، بدأت في شهر الصيام والقرآن، الشهر الذي ارتبط اسمه بالمعارك والفتوحات والانتصارات، وعلى مدى ثمانية أيام متصلة دارت رحى الحرب، وبدأ القتال الضاري الشرس بين المسلمين والنصارى، أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون؛ {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

لقد قاتل الجيش القوطي قتالاً شديدًا يُعَبِّر عن شدَّة بأس وقوَّة شكيمة؛ ولكن هيهات أن تصمد تلك القوَّة أمام صلابة الإيمان وقوة العقيدة التي يتحلَّى بها الجيش المسلم؛ واثقًا بربه متيقِّنًا النصر! ويصف ابن عذاري جيش المسلمين وهم في هذا الجوِّ المتلاطم في المعركة فيقول: «فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجَّالة، ليس فيهم راكب إلاَّ القليل؛ فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى ظنُّوا أنه الفناء» ، فصدق تفسير الشيخ العالم إبن القاسم و هزم الله جيش القوط و قُتلَ طاغيتهم لُذريق و فتح طارق بن زياد الأندلس .