تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

0
تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية
تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

خلق الفلاسفة والشعراء والفنانون والعلماء والأمراء والفقهاء المسلمون ثقافة فريدة من نوعها أثرت بدورها على المجتمعات في كل القارات ، كان الفقه الإسلامي هو الظابط الأساسي لحياة هؤلاء العمالقة من السلف الصالح .

في نظرة سريعة على تاريخ الفقه الإسلامي منذ البعثة النبوية ، فإن الفقه الإسلامي جُمع هيكله في عشرة سنين من حياة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم، فلم ينتقل الرسول الكريم صلّى الله عليه و سلّم إلى جوار ربّه حتّى جُمع نظام الفقه و أصوله التي يُردُّ إليها، ولم يمر على أمّة الإسلام ثلاتة قرون حتّى وُضعت مهمّات كتب الفقه في فروعه و فصوله وتطبيق أصوله على فروعه و بناء فروعه على أصوله.

بينما تأخرت الامم السابقة في سنّ قوانينها و على رأسهم مضرب المثل في الحضارة بالنسبة للغرب و أم حضارتهم أمّة الرومان، لم ينظج فقهها القانوني إلاّ في عهد القيصر جوستيان بعد مرور تلاتة عشر (13) قرنا من وجودها.

بدات النهضة في أوروﺑا وهي ترزح في عتمة الظلمات وتحت نير الجهل.لقد كانت نسبة الاميين في اوروبا 99% مقابل 1% فقط من المتعلمين الذين يقرأون و يكتبون .في حين كان في الاندلس وحدها 17 جامعة و الجامعة في الاصل هي اختراع اسلامي من إختراعات إسلامية غيّّرت الحضارة الانسانية، حيث ان جامعة قرطبة وحدها كان بها 11000 طالب و طالبة يدرسـون منهم 4000 اوروبيـــون ، ناهيك عن مكتبتها الرئيسية ، فمكتبة قرطبة كانت منارة للعلم في الأندلس و قبلة كل عالم و باحث لينهل من كتبها النفيسة و مخطوطاتها الناذرة.من الطلبة الاوروبيـــون كان سلفستـر الثانـي صاحب الــدور الاساســي و الفعلي في نقل العلوم العربية بمختلف انواعها وابعادها الى اوروبا، وتغييرنمط الحياة فيها خصوصاً من الناحية القانونية وذلك بنقله للفقه المالكي وادخاله كقانون روماني جديد.

ينكر أغلب الاوروبيون فضل العلوم الاسلامية والفقه لإسلامي و تاثيرهم في المجتمع الاوروبي في حين ان هؤلاء الذين درسوا في قرطبة هم الذين اشعلوا النهضة في اوروبا، لقد كان البابا سلفستر الثاني جربرت ( Pope Sylvester )، هذا الذي ولد في مدينة بيلياك Belliac في مقاطعة أورياك Aurillac الفرنسية (940-1003م) باحثاً متعمقاً وأستاذاً وبابا مولعا و شغوفا بالعلوم العربية الاسلامية التي ازدهرت في عصره، وذاع صيتها حتى ملا الافاق وتجاوز البحار . فأثار إعجاب جربرت بالعرب فغرف من مدارس الاندلس وجامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب ، و التي مكث فيها فترة من الوقت.

واكتسب فيها أيضا معرفة واسعة من العلوم التي أحرز فيها تقدما عظيما لاحقا، حيث ان البابا سلفستر الثاني هذا رحل الى الاندلس انذاك واسبانيا الحالية لتلقي العلم وهو في السابعة و العشرين من عمره ودرس على يد علماء عرب في المؤسسات التعليمية العربية في الأندلس آنذاك والتي كانت تسمى "المدارس" وذلك بقرطبة و قطلونيا واشبيلية، لما كانت الاندلس في ذاك العصر منبع العلم ومنارته ومنهله الوحيد في العالم وعاصمة النور الوحيدة في اوروبا، يستمد منها نور المعرفة و الحداثة في حين كانت أوروﺑا تغوص في ظلمات الجهل و الأمية.

وعلى سبيل المثال عمّر الحضور العربي الإسلامي في إسبانيا ثمانية قرون، من العام 711 م وحتى 1502م انتشر الإسلام خلالها في ربوع هذه البلاد، وسادت ثقافته، فإن المذهب المالكي بدأ تطبيقه في الأندلس منذ (711م ـ 93هـ) أدخله زياد بن عبد الرحمن القرطبي. ، طوال هذه 800 سنة كان الأوروبيون يرسلون طلابهم إلى الدول الإسلامية التي امتدت حدودها حتى شملت جنوب فرنسا ومدن مثل ليون بواتيه كانوا يرسلون طلابهم لأخذ العلم ، وقد إنتشرت أحكام الفقه الإسلامي في كافة أنحاء أوروبا على إثر السنوات 800 التي أمضاها المسلمون في هذه القارة بل إنه حتى بعد مغادرة المسلون الأندلس.

ظل الأوروبيو ن يطبقون أحكام الفقه الإسلامي حتى بعد خروج المسلمون من الأندلس، و استمروا على اتباع تقاليد المسلمين ، وبقي التأثير مستمرا فنشؤوا على هاته التقاليد فأضحت هذه الأحكام أعرافا وكمثال على ذلك " محكمة المياه في فالينسيا " التي تزال إلى يومنا هذا تشتغل وتنظر في منازعات الفلاحين على الماء على الطريقة الإسلامية ، شكلت تجربة المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية جسراً قوياً لنقل العلوم والمعارف، وتوسيع دائرة توطينها لتطال مجمل المجتمعات الأوروبية، التي لم تكن وقتئذ في أحسن حال بشهادة مؤرخيها أنفسهم. .

وفي أواخر القرن الثامن عشر غزا نابليون بونابرت المغرب العربي حتى عكا، فكان لازما لأوروﺑا وضع أول لبنة لبناء نهضتها ، وهي لبنة التشريع وسنِّ القوانين علما أن المجتمعات المتحضِّرة لابد لها من قوانين تظبط الحياة العامّة، و لضعف المجتمع الاروبي في الحقل التشريعي آنذاك ، فالأوربّي كان يعيش بين فوضى الإقطاع و ظلم الأقوياء، كان لابد من مصادرموثوقة وقوانين لمجتمعات متحضِّرة لنقلها للمجتمع الأوربي الهمجي آنداك لتنظيمه و تحويله إلى مجتمع متحضّر.

اعتمدت أوروبا في هذه المرحلة على نقل القوانين و التشريعات من الفقه الإسلامي، كقانون نابليون بونبارت ، يقول المستشرق الفرنسي لوييس فيديو صاحب كتاب "تاريخ العرب العام" يقول فيه:" إن قانون نابليون الأول مأخود من كتاب فقهي في مذهب مالك هو " شرح الدردير على متن خليل" وهو كتاب مشهور في الفقه المالكي".

يقول " أرنولد توينبي" في كتابه المعروف " الدعوة للإسلام"، " أدخل العرب الظافرون الإسلام في إسبانيا عام 711 م وفي عام 1502 أصدر ملوك الكاثوليك "فرديناند وإيزابلا" مرسوماً يقضي بإلغاء شعائر الإسلام في جميع أرجاء البلاد، إلا أن إسبانيا كتبت في الفترة الواقعة بين هذين التاريخين صفحة من أنقى الصفحات وأسطعها في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى".

أقرّ " جوستاف لوبون "، في كتابه " حضارة العرب"، قائلا:" إذا رجعنا إلى القرن التاسع  والقرن العاشر الميلادي، حين كانت الحضارة الإسلامية يانعة في إسبانيا، فإن مراكز الثقافة في الغرب كان يمتلكها سادة إقطاعيون متوحشون يفخرون بنهم لا يقرأون".

و يقول المستشرق البريطاني هربرت جورج ويلز (هربرت جورج ويلز (1866م- 1946م) كاتب ومؤرخ وعالم اجتماع بريطاني شهير له كتاب إسمه "معالم تاريخ الإنسانية") "The whole Story of Man"، يقول في هذا الكتاب " إنّ أروبا مدينة للإسلام في معظم قوانينها التجارية و الإدارية ".

يقول المستشرق الإيراندي إيدمان بيوك :" إن القانون المحمدي قانون ظابط للجميع من الملك إلى أقل رعاياه ، وهذا القانون نُسج على أعظم نظام حقوقي ، و إن شريعة الإسلام هي أعدل شريعة لم يسبق للعالم إيجاد نظام مثله قط ولا يجيء بعده مثله.

يقول " جورج سرطون" ، صاحب كتاب " مقدمة تاريخ العلم" :"لقد حقق المسلمون عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطى..وكانت اللغة العربية منذ منتصف القرن الثامن الميلادي حتى نهاية القرن الحادي عشر هي لغة العلم والارتقاء بالجنس البشري".

نوَّهت محكمة العدل الدولية بأهمية ورُقي الفقه الإسلامي التي اعتبرت في حكمها تاريخ /8/23 /1958 أن أحكام الشريعة هي إحدى الأنظمة القانونية في المجتمع.

تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد

0
تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد
تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد

تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب والرجل الزاهد

كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثاني الخلفاء الراشدين لا يخاف في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب والبعيد، الحبيب والغريب حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك الأمر. فأقام العدل على نفسه و على أهله و على الرعية والولاة بلا استثناء ، نسرد اليوم قصّة من قصص عدل عمر و حرصه على عدل عمّاله و استقامتهم .

استعمل "عمر ابن الخطاب" رضي الله عنه علي حمص رجلا يقال له "عمير بن سعد " فلما مضت السنة كتب إليه : أن أقدم علينا فلم يشعر "عمر" إلا وقد قدم عليه "عمير" ماشيا حافيا عكازته بيده وإداواته ومزودته وقصعته علي ظهره فلما نظر "عمر" إلى " عمير" قال له : أجدبنا ؟ أم البلاد بلاد سوء ؟

فقال له: يا أمير المؤمنين أما نهاك الله أن تجهر بالسوء وعن ظن السوء وقد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها ؟ فقال عمررضي الله عنه له : وما معك من الدنيا ؟ قال : عكاز أتوكأ عليها وادفع بها عدواً إن لقيته ومزود احمل فيه طعامي وإداواة أحمل فيها ماء لشربي وطهوري وقصعة أتوضاء فيه واغسل فيها راسي واكل فيها طعامي فوالله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي .

فقام "عمر " رضي الله عنه إلي قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم – و"أبي بكر" رضي الله عنه فبكي بكاء شديداً. ثم قال : "اللهم ألحقني بصاحبيّ غير مفتضح ولا مبدل"، ثم عاد إلي مجلسه فقال ما صنعت في عملك يا "عمير" فقال : أخذت الإبل من أهل الإبل والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شئ لأتيتك به . فقال " عمر " : عد إلي عملك يا عمير فقال : أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلي أهلي ، فأذن له فأتي أهله فبعث عمر رجل يقال له : " حسيب " بمائة دينار ، وقال : اختبر لي " عميرا" ، وانزل عليه ثلاثة أيام حتي تري حاله ، هل هو في سعة أو ضيق ؟ فإن كان في ضيق ، فادفع إليه الدنانير .

فأتاه " حسيب " فنزل به ثلاثاُ ، فلم يرَ له عيشا إلا الشعير والزيت ، فلما مضت ثلاثة أيام قال "عُمير" إن رأيت أن تتحول إلي جيراننا ، فلعلهم يكونون أوسع عيشا منا ، فإننا والله لو كان عندنا غير هذا، لآثرناك به.

فدفع إليه الدنانير وقال : قد بعث بها أمير المؤمنين إليك ، فدعا بفرو خَلِق لامرأته فجعل يصر منها الخمسة الدنانير والستة والسبعة ، ويبعث بها إلي إخوانه من الفقراء إلي أن أنفذها .

فقدم "حسيب" علي " عمر" وقال : "جئتك يا أمير المؤمنين من عند ازهد الناس "، وما عنده من الدنيا قليل ولا كثير ، فأمرله " عمر" بوسقين من طعام وثوبين ، فقال : يأمير المؤمنين أما الثوبان فأقبلهما ، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما، عند أهلي صاع من بُر هو كافيهم حتي أرجع إليهم ".

الموحدون : قصّة إبن زهر مع يعقوب المنصور الموحدي

0
الموحدون : قصّة إبن زهر مع  يعقوب المنصور الموحدي
الموحدون : قصّة إبن زهر مع  يعقوب المنصور الموحدي

الموحدون : قصّة إبن زهر مع  يعقوب المنصور الموحدي


من هو يعقوب المنصور الموحدي ؟
هو أبو يوسف يعقوب بن عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي، الملقب بالمنصور الموحدي، سلطان وثالث خلفاء الموحدين ببلاد المغرب . خلف والده أبو يعقوب يوسف. حكم من 1184 حتى وفاته في مراكش عام 1199، يعتبر من أعظم ملوك و سلاطين الدولة الموحدية.

صاحب معركة الأرك العظيمة التي هزم فيها ألفنش أو ألفونسو الثامن ملك قشتالة ، ووصفها صاحب كتاب نفح الطيب فقال: ومعركة الأرك تضاهي وقعة الزلاقة أو تزيد، والأرك موضع نواحي بطليوس وكانت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وغنم فيها المسلمون ما عظم قدره وكان عدة من قتل من الفرنج فيما قيل مائة ألف وستة وأربعين ألفًا، وعدة الأساري ثلاثين ألفًا، وعدة الخيام مائة ألف وخمسين ألف خيمة، والخيل ثمانين ألفًا، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفار لحمل أثقالهم؛ لأنهم لا إبل لهم، وأما الجواهر والأموال فلا تحصى وبيع الأسير بدرهم والسيف بنصف درهم والفرس بخمسة دراهم والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع.

كان محبا للعلم و العلماء ، ضمَّ بلاطه علماء كبارفي كافة العلوم كعلوم الدين والفلسفة و الهندسة و الطب ، كابن رشد وابن زُهرو الامام السُهيلي ، له آثار عمرانية كبيرة منها : مدينة الرباط، ومسجد سلا الكبير، ومدرسته الجوفية. وبنى أيضا جامع حسان، والجامع الأعظم بقصبة مراكش، وصومعة الكتبية. وأقام مئذنة للمسجد الجامع في أشبيلية -المعروفة اليوم بـ "الجيرالدا" ، وصنع أربع تفاحات مذهبة لتكلل المئذنة، وبنى الماريستان لشفاء المرضى .

قال ابن خلكان :" كان صافي السمرة جدا، إلى الطول ماهو، جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري الصوت جزل الألفاظ من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن"،توفي المنصور الموحدي في 22 ربيع الأول سنة 595هـ، وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه من يمر به، فرحمه الله وأحسن مثواه.

 قصّة يعقوب المنصورمع إبن زهر

كان يعقوب المنصور يعقد المناظرات للعلماء في مجلسه الذي ضم خيرة علماء عصره كأبي العباس بن عبد السلام الجراوي و أبي أسحاق بن يعقوب والحافظ أبي بكر بن الجد وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان و ابن رشد بعد إطلاق سراحه وابن زهرالإشبيلي الأندلسي وكان وزيره ؛ وكان المنصور يقول لإبن زهر اطلب ماشئت إلاّ الرجوع للأندلس لشدّة حبه له .

اشتاق ابن زهر يوما إلى ولده بإشبيلية فأنشد يقول :

ولي واحد مثل فرخ القطا ****** صغير تخلف قلبي لديه

نأت عنه داري فيا وحشتي****** لذاك الشخيص و ذاك الوجيه

تشوقني وتشوقته ****** فيبكي علي و أبكي عليه

لقد تعب الشوق ما بيننا ****** فمنه إلي ومني إليه

فتناهت الأبيات إلى مسامع يعقوب المنصور، فأرسل مهندسيه و مهرة صناعه إلى حارة الوزير بإشبيلية فاستنسخوا تفاصيلها بدقة بالغة وبنوا مثلها بحضرة مراكش كأنّها حارة اندلسية، ثم إنهم وضعوا بداره فراشا كذلك الذي في منزله بإشبيلية، وأتو بأهله و جيرانه.

ثم احتال عليه يعقوب المنصورليفاجئه ، فذهب به إلى تلك الحارة فظن ابن زهر أنه يحلم ولم يصدق أنه واقع لا حلم وهو يقول يا عجب كأني بإشبيلية و بحارتي و هؤلاء جيراني و هذه داري ، فقال له المنصور الموحدي أدخل الدار لترى فدخل فوجد إبنه الصغير الدي إشتاق إليه يلعب بفناء الدار فعانقه و ههو يبكي من شدّة الفرح ، فأخبره الخليفة بما جرى .

قصيدة مدح: الفرزدق والامام زين العابدين

0
قصيدة مدح:  الفرزدق والامام زين العابدين
قصيدة مدح:  الفرزدق والامام زين العابدي


قصيدة مدح:  الفرزدق والامام زين العابدين


حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد بن عبد الملك أخيه ومعه أهل الشام فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس، كرَّر هشام محاولته اليائسة للمس الحجر ولكنه رجع خائباً لشدة الازدحام واجتماع الخلق، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما، وهو أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثوباً؛ وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر تنحى الناس كلهم له وأخلوا الجحر ليستلمه، هيبة له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً وبلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصلح الله الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفاً، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه. فقال الفرزدق، وكان لذلك كله حاضراً: أنا أعرفه فسلني يا شامي من هو، قال: و من هو يا أبا فراس؟ قال:

يا سائلي اين حل الجـود والكـرم ............... عنـدي بيـان اذا طلابـه قدمـوا

هــذا الــذي تـعـرف الـبـطحاء وطـأته ..........و الــبـيـت يـعـرِفُـه والــحـلُ و الــحـرمُ

هـــذا ابـــن خــيـر عِــبـاد الله كـلـهـم ...........هــذا الـتـقي الـنـقي الـطـاهر الـعلمُ

هــذا ابــن فـاطـمةٌ إن كـنـت جـاهله ............بـــجــدّه أنــبــيـاء الله قـــــد خــتــمـوا

و لــيـس قـولـكم مــن هــذا بـضـائره ...........الـعُـرب تـعـرف مــن أنـكرت و الـعجم

كــلـتـا يــديـه غــيـاث عـــم نـفـعـهما ...........يـسـتـوكـفـان و لايــعـروهـمـا عــــدم

ســهـل الـخـليقةِ لا تـخـشى بــوادره ............يـزيـنه إثـنان : حسن الـخلق و الـشيم

حــمّـال أثــقـال أقـــوام إذا افـتـدحـوا ...........حــلـو الـشـمـائل تـحـلو عـنـده نـعـم

مــاقــال : لا قــطٌ إلا فـــــي تــشــهـدهُ .........لــــولا الـتـشـهـد كــانــت لاؤه نــعــم

عــمّ الـبـرية بـالإحـسان فـانـقشعت .............عـنـهـا الـغـيـاهب و الإمــلاق و الـعـدم

إذا رأتـــــه قـــريــش قــــال قـائـلـهـا ..........إلـــى مــكـارم هـــذا يـنـتهي الـكـرم

يـغـضي حـيـاءً و يـغضى مـن مـهابتهِ ..........فـــــلا يُــكّــلَـمُ الإ حـــيــن يــبـتـسـم

بــكــفّـه خـــيــزران ريــحـهـا عــبــق ..........مــن كــف أرع فــي عـرنيـنه شـمـم

يــكــاد يـمـسِـكـه عــرفــان راحــتــهِ ............ركـــن الـحـطـيم إذا مــا جـاء يـسـتلمُ

الله شــــرفـــه قِـــدمـــاً و عــظــمــهُ .............جــرى بــذَاكَ لــه فــي لـوحـة الـقلم

أي الـخـلائـق لـيـست فــي رقـابِـهُم ...............لأوّلــــيّـــة هـــــــذا أولــــــه نـــعـــم

مــــن يـشـكـر الله يـشـكـر أوّلــيّـة ذا .............فـالـدين مــن بـيـت هــذا نـالهُ الأُمـم

يـنمي إلـى ذروة الـدين التي قصُرت .............عـنـها الأكــفّ و عــن إدراكـهـا الـقـدم

مـــن جـــدّه دان فــضـل الأنـبـيـاء لــه ...........و فــضــل أمــتـهِ دانـــت لـــهُ الأمـــم

مـشـتـقّةٌ مـــن رســـول الله نـبـعـته .............طــابـت مـغـارِسه و الـخـيم و الـشـيَمُ

يـنشق ثـوب الـدجى عـن نـور غـرّته ............كالشمس تنجاب عن إشراقها الظُلم

مــن مـعـشرٍ حـبـهم ديــن ٌو بـغضهم .............كــفــر و قـربـهـم مـنـجـى و مـعـتـصمُ

مـــقــدمٌ بــعــد ذكــــر الله ذكــرهــم ..............فــي كــل بــدء و مـخـتوم بــه الـكـلمُ

إن عــد أهــل الـتـقى كـانـوا أئـمـتهم .............أو قـيل مـن خير أهل الأرض قيل همُ

لا يـسـتـطيع جـــوادٌ بــعـد جــودهـم ............و لا يــدانــيـهـم قـــــومٌ و أن كـــرمــوا

هـــم الـغـيـوث إذا مــا أزمــةٌ أزمــت ..........و الُسد أُسد الشرى ، و البأس محتدمُ

لا يـنـقص الـعسر بـسطاً مـن أكـفهم .............سـيّـان ذلــك : إن أثــروا و إن عـدمـوا

يُـسـتـدفعُ الــشـر و الـبـلـوى بـحـبهم ............و يـسـتـربُّ بـــه الأحــسـان و الـنـعـم

فغضب هشام لسماع هذه القصيدة وقال للفرزدق: ألا قلت فينا مثلها؟ فقال الفرزدق: هات جداً كجده وأباً كأبيه وأماً كأمه حتى أقول فيك مثلها؟ فأمر هشام بحبسه في عسفان بين مكة والمدينة فحُبس ولكنه لم يأبه بذلك، فلما بلغ خبره زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه بعث إليه باثني عشر الف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به، فردها الفرزدق وقال:

"يا ابن رسول الله ما قلت فيك الذي قلت إلاَّ غضباً لله ورسوله وما كنت أريد أن أرزق عليه شيئاً". فردَّها الامام ثانية إليه وقال: "بحقي عليك، تقبَّلها فقد رأى الله مكانك وعلم نيّتك"، عند ذلك قبلها الفرزدق.

الاعشى وشيطانه "ودع هريرة"

0
الاعشى وشيطانه "ودع هريرة"
الاعشى وشيطانه "ودع هريرة"


قصة الاعشى وشيطانه 

لم تكد تخلو أمة من الأمم القديمة من الاعتقاد بوجود عالم غير مرئي في هذه الحياة، يزخر بمخلوقات تمتلك قوى خارقة تصنع الخير والشر، سُميت تارة بالآلهة وتارة بالجن وتارة ثالثة بالأرواح ولها اماكن خاصة بها،و اشهر الاماكن عند العرب في الجاهلية وادي عبقر وهو وادي يقع في نجد وهو وادٍ سحيق، واذا قيل فلان (عبقري) فهو نسبة إلى وادي عبقر تقول الروايات ان هذا الوادي تسكنه شعراء الجن منذ زمن طويل، ويقال ان من امسى ليلة في هذا الوادي جائه شاعر أو شاعره من الجن تلقنه الشعر،وإن كل شاعر من شعراء الجاهلية كان له قرين من هذا الوادي يلقنه الشعر.

بيَّن الجاحظ  في هذا الباب أن العرب الجاهليين تفرق بين مواضع الجن إذ قال: "فإذا نسبوا الشكل منها إلى موضع معروف فقد خصوه، من الخبث والقوة والصرامة، بما ليس لجملتهم وجمهورهم... ولذلك قيل لكل شيء فائق أو شديد: عبقري".. فمن عبقر جن متميزون من جملتهم وجمهورهم بالخبث والقوة والعرامة، ولعلهم متميزون أيضاً بالشكل والصورة.

وكانت العرب بالجاهليه تعتقد بأن لكل شاعر شيطان خاص به يلهمه الشعر . وقد ذكرت كتب الادب ذلك  .. وتذكر كتب الادب ان كل شاعر له شيطان مصاحب له فامروالقيس شيطانه اسمه لاقط بن لاحظ , والاعشى شيطانه مسحل السكران بن جندل , والكميت بن زيد شيطانه اسمه مدرك بن واغم  , وعبيد بن الأبرص شيطانه اسمه هبيد بن الصلادم , والنابغه الذبياني شيطانه اسمه صاذر بن ماهر , والحارث بن مضاض شيطانه اسمه السفاح بن الرقراق ....

و كمثال على هذا الاعتقاد الجاهلي الدي نسفه الاسلام وأنار عقول الناس فاخرجهم من الظلمات الى النور جاء في قوله تعالى " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾[الجن:6]"، فبيّن لهم ان الله هو من بيده كل شيء ، وقوله تعالى: " (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) [الشعراء 224-226].

 نصرد قصة حكاها الاعشى عن معلقته  "ودّعْ هريرة َ"، وهي قصيدة من قصائد الأعشى، يُعدها العرب من ضمن المعلقات العشر، نضمها الأعشى على البحر البسيط. يبلغ عدد أبيات المعلقة 66 بيتًا مطلعها :

ودّعْ هريرة َ إنْ الركبَ مرتحلُ،  ********  وهلْ تطيقُ وداعاً أيها الرّجلُ؟
تَسمَعُ للحَليِ وَسْوَاساً إذا انصَرَفَتْ ********  كمَا استَعَانَ برِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
ليستْ كمنْ يكره الجيرانُ طلعتها  ********  ولا تراها لسرّ الجارِ تختتلُ
يَكادُ يَصرَعُها، لَوْلا تَشَدّدُهَا        ********  إذا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ

يروي الاعشى  انه كان متوجها الى اليمن لمدح بعض امراء القبائل وفي طريقه لليمن اظلم عليه الليل وهو بواد مقفر وكان على اثر سماء " تمطر بغزاره " ،احتمى في احد الكهوف واذا به يرى رجل واقف امامه كثيف اللحيه وكانت بيضاء ، قال الاعشى : من انت ؟ فأجابه : انا عابر سبيل وانت ؟
قال : انا شاعر واتكسب بشعري ، قال له الرجل : ماذا قلت من شعر ؟ قال الاعشى : قلت
ودع هريرة ان الركب مرتحل .... وهل تطيق وداعا ايها الرجل

وهذا البيت مطلع معلقته الشهيره ، استوقفه الرجل الكبير وقال : من هريرة هذه ؟قال الأعشى : اسما انطلق في روعي فقلته ولا اعلم من هريرة تلك  فواصل انشاد معلقته الى ان قال :
تقول ماوية ان جأت زائرها .... ويلي عليك وويلي منك يارجل

فأستوقفه الرجل الكبير وقال : ومن ماويه تلك ؟ قال الاعشى : سابقتها مثل اختها اسما انطلق في روعي فقلته ! قال له الرجل الكبير : هل تعلم من هريرة وماويه ؟ قال : لا  فنادى الرجل الكبير :اخرجي يا هريره ويا ماويه  فخرجتا فكان طولهما لايتعدى شبرا واحدا ، قال الاعشى : من انت يا رجل ؟ قال : أنا هاجسك وملقي الشعر على لسانك انا مسحل السكران بن جندل وهؤلاء بناتي هريره وماويه !

فتح مصر: سقوط حصن بابليون

0
فتح مصر: سقوط  حصن بابليون
فتح مصر: سقوط  حصن بابليون


فتح مصر: سقوط  حصن بابليون

شكَّل فتحُ مصر امتدادًا لِفتح الشَّام، وقد وقع بعد تخليص فلسطين من يد الروم، بعد معارك طاحنة إنتصرت فيها الجيوش الاسلامية ، وقد اقترحهُ الصحابيّ عمرو بن العاص على الخليفة عُمر بن الخطَّاب بِهدف تأمين الفُتوحات وحماية ظهر المُسلمين من هجمات الروم الذين انسحبوا من الشَّام إلى مصر وتمركزوا فيها. ولكنَّ عُمرًا كان يخشى على الجُيوش الإسلاميَّة من الدخول لِأفريقيا ووصفها بأنَّها مُفرِّقة، فرفض في البداية، لكنَّهُ ما لبث أن وافق.

جاء في بعض المصادر كالبداية والنهاية والكامل في التاريخ أنه حين توجه عمرو بن العاص لفتح مصر كان على رأس جيش به ثلاثة آلاف وخمـسمائة رجل فبعث إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يطلب إليه المدد , فأرسل عمر بن الخطاب الزبير بن العوام على رأس جيش يبلغ أربعة آلاف رجل . وكان على رأسهم من الصحابة المقداد بن الأ
سود , وعبادة بن الصامت , ومسلمة بن مخلد , وخارجة بن حذافـة , وقال لعمرو : إنني أمدك بأربعة آلاف على رأس كل ألف منهم رجل بألف رجل , وكان الزبير على رأسهم جميعا .

فلما وصل الزبير وجد عمرو بن العاص محاصرا حصن بابليون , كان الحصن في قلب مصر، وكان أحصن ما بيد الروم في مواجهة جيش المسلمين، وطالت فترة الحصار لمدة سبعة أشهر, وكان الروم قد خندقوا خندقًا حول حصن بابليون، وجعلوا للخندق أبوابًا لخروجهم ودخولهم، ونثروا سكك الحديد بأفنية الأبواب فركب الزبير حصانه , وطاف حول الحصن . فقيل له : إن بها الطاعون . فقال : إنما جئنا للطعن والطاعون .

ورأى الزبير بن العوام، خللاً في سور الحصن، فنصب سلمًا، وأسنده إلى الحصن، وقال: (إني أهب نفسي لله تعالى، فمن شاء أن يتبعني، فليفعل). كان الزبير فدائيًّا شجاعًا لا يدري ما سوف يلقى فوق السور من قوات الروم، وكان في نحو الخمسين من عمره.... وأمر جيش المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه ،وقد صعد مع الزبير إلى أعلى الحصن محمد بن مسلمة الأنصاري، ومالك بن أبي سلسلة، وبعض الرجال.

فما شعر الروم إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه سيفه والمسلمون من الخارج يرددون تكبيره. فلما رأى الروم ذلك إعتقدوا أن المسلمين قد ظفروا بالحصن، ففروا، وعمد الزبير إلى باب الحصن المغلق من الداخل ففتحه واقتحمه المسلمون من الخارج.

سيد التابعين الحسن البصري

0
سيد التابعين الحسن البصري

سيد التابعين الحسن البصري

سيد التابعين الحسن البصري

الحسن بن يسار البصري[1] (21هـ/642م - 110هـ/728م) إمام وعالم من علماء أهل السنة والجماعة يكنى بـأبي سعيد ولد قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب في المدينة عام واحد وعشرين من الهجرة، كانت أم الحسن تابعة لخدمة أم سلمة، فترسلها في حاجاتها فيبكي الحسن وهو طفل فترضعه أم سلمة لتسكته وبذلك رضع من أم سلمة، وتربى في بيت النبوة. كانت أم سلمة تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، ودعا له عمر بن الخطاب، فقال "اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس". حفظ الحسن القرآن في العاشرة من عمره.

نشأته و حياته
درجَ الحسنُ بن يسار الذي يعُرف بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورُبِّيَ في حجر زوجةٍ من زوجات النبي، هي هند بنت سٌهيل ، المعروفة بأم سلمة، وأمُّ سلمة كانت من أكمل نساء العرب عقلا، وأوفرهن فضلا، وأشدهن حزما، وكانت من أوسع زوجات رسول الله صلى الله عليه سلم علما, وأكثرهن رواية عنه، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثا .

علمه و فقهه

تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، لكنه أُولِع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وفي سنة 37 هـ لما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره، ودخل في مداخل الرجال، انتقل مع أبويه إلى البصرة ، واستقرَّ فيها مع أسرته، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في العالَم الاسلامي، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة، وجلَّة التابعين، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه فكانت بها مرحلة التلقي والتعلم، حيث استمع إلى الصحابة الذين استقروا بها، وفي سنة 43هـ عمل كاتبا في غزوة لأمير خراسان الربيع بن زياد الحارثي لمدة عشر سنوات، وبعد رجوعه من الغزو استقر في البصرة حيث أصبح أشهر علماء عصره ومفتيها حتى وفاته.

لقد كان الحسن أعلم أهل عصره، يقول قتادة: "ما جمعت علمه إلى أحد العلماء إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه كتب فيه إلى سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن".

حدَّث خالد بن صفوان, فقال: (لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة, فقال لي: أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة، فإني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك, فقال: أصلح اللهُ الأمير, أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم، قال: أنا جارُه في بيته، وجليسه في مجلسه، وأعلم أهل البصرة به، قال: هاتِ ما عندك, قلتُ: إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته, وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له، ولقد رأيتُه مستغنيا عن الناس، زاهدا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده, فقال مسلمةُ: حسبُك يا خالد, كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا؟) .

كان للحسن مجلسان للعلم: مجلس خاص بمنزله، ومجلس عام في المسجد يتناول فيه الحديث والفقه وعلوم القرآن واللغة وغيرها وكان تلاميذه كثر، رأى الحسن عددا كبيرا من الصحابة وروى عنهم مثل النعمان بن بشير، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس رضوان الله عليهم، ونتيجة لما سبق فقد لقبه عمر بن عبد العزيز بسيد التابعين حيث يقول: "لقد وليت قضاء البصرة سيد التابعين". أما السيدة عائشة رضى الله عنها وعندما سمعته يتكلم قالت: (من هذا الذي يتكلم بكلام الصديقين؟).

عاش الحسن الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان موقفه متحفظاً على الأحداث السياسية، وخاصة ما جرّ إلى الفتنة وسفك الدماء، حيث لم يخرج مع أي ثورة مسلحة ولو كانت باسم الإسلام، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والإضطراب، وفوضى ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب في استبداد سنين، ويؤدي الخروج إلى طمع الأعداء في المسلمين، أما إن كان الحاكم ورعاً مطبقاً لأحكام الله مثل عُمر بن عبد العزيز، فإن الحسن ينصح له، ويقبل القضاء في عهده ليعينه على أداء مهمته.

كتب الحسن البصري رسالة لعمر بن عبد العزيز يصف فيها "صفة الإمام العادل" و ينصحه و مما قال: "فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد أئتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وبدد ماله". ولقد عنف الحسن البصري طلبة العلم الشرعي الذين يجعلون علمهم وسيلة للاستجداء فقال لهم: "والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم".

سُئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول: سلوا الحسن؟ قال: سلوا مولانا الحسن. فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. وقال أيضاً: إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين الحسن البصري ومحمد بن سيرين.

الحسن البصري و الحجَّاجُ بن يوسف


لما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ، وطغى في ولايته وتجبَّر، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ، وقال لجلاَّسه: (تبًّا لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع, ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه ، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمر .

وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه, هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا، فما زال يوسع له, ويقول: ها هنا، والناس لا يصدَّقون ما يرون، ويقول له: تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه، ولما أخذ الحسنُ مجلسه, التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج : أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية, وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج، وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما عليَّ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم)، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [سورة النمل الآية: 62].

ومن أقوال الحسن: (إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا, ازدَدْتَ من الآخرة بعدا) . وقال له أحدُهم: (صِف لي هذه الدارَ, قال: ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء، وآخرها فناء، وفي حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، مَن استغنى فيها فُتِن، ومَن افتقر فيها حزن؟) .

وفاة الحسن البصري

في ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ), لبَّى الحسنُ البصري نداءَ ربِّه، فلما أصبح الناسُ، وشاع الخبرُ فيهم, ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا، فغُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه بعد الجمعة، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما وداعيا إلى الله، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة، وقد قيل: ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه .

علماء المسلمين : ابن عاشر

0
علماء المسلمين : ابن عاشر
علماء المسلمين : ابن عاشر

علماء المسلمين : ابن عاشر

من هو ابن عاشر

عبد الواحد بن عاشر (990 هـ - 1040 هـ) هو أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الأنصاري، المعروف بابن عاشر، وهو من حفدة الشيخ أبي العباس ابن عاشر السلاوي (ت765هـ). عالم دين مسلم من المغرب. يعد من أبرز علماء المذهب المالكي واشتهر بمنظومته "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين" والتي نظم فيها الفقه المالكي، بالإضافة إلى باب العقيدة والتصوف، والتي تعد مرجع مهم عند علماء المذهب المالكي. وساهم ابن عاشر في توفير الغطاء الشرعي لحركة المجاهد العياشي.

ولادته ونشأته

ولد بمدينة فاس عام 990هـ/1582م، في أسرة علمية، وذات فضل وعلم ووقار وورع، فنشأ على حب العلم، ومكارم الأخلاق، فتربى تربية دينية ملتزمة، في فقه وعلم وأدب. وسكن بدار أسلافه الكبرى بحومة درب الطويل من فاس القرويين.

بدأ تحصيل علومه بحفظ القرآن الكريم، فقرأه على يد الشيخ أبي العباس أحمد بن عثمان اللمطي، وأخذ القراءات السبع على يد الشيخ أبي العباس الكفيف، ثم على الشيخ أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني(ت1052هـ)، كما أخذ الفقه عن جماعة من شيوخ عصره، أمثال: أبي العباس ابن القاضي المكناسي (ت1025هـ)، وابن عمه أبي القاسم، وابن أبي النعيم الغساني، وقاضي الجماعة بفاس علي بن عمران، وأبي عبد الله الهواري، وقرأ الحديث على العلامة محمد الجنان(ت1050هـ)، وعلى أبي علي الحسن البطيوي، وكان يتردد على الزاوية البكرية، فأخذ عن علمائها المبرزين، وحضر مجالس محمد بن أبي بكر الدلائي(ت1046هـ) في التفسير والحديث.

علمه و شيوخه

تدرج الطفل على عادة الصبيان يتردد على الكتاب لحفظ القرآن الكريم حتى أظهره، وأتقنه رسما وضبطا، وجوده ببعض الروايات على زمرة من شيوخ هذا الفن، ثم انتقل إلى حفظ المتون وفنون القراءات ، رحل إلى المشرق، فأخذ عن الشيخ سالم السنهوري (ت1015هـ)، وعن الإمام المحدث أبي عبد الله العزي، وعن الشيخ بركات الحطاب، وغيرهم، وحجّ سنة (1008هـ)، فالتقى بالشيخ عبد الله الدنوشري، وأخذ التصوف عن العالم العارف ابن عزيز التجيبي (ت1022هـ).

شيوخه

تلقى عبد الواحد بن عاشر علم الرسم والضبط على يد جماعة من علماء القرويين الأفذاذ الذين منهم:

* إمام العصر في الرسم، والضبط العباس اللمطي.

* أبو العباس الكفيف الذي أخذ عنه القراءة القرآنية بالروايات السبع.

* أبو عبد الله الشريف المريني التلمساني

* الشيخ القصار الذي كان يعد أكبر عالم في علوم القرآن والقراءات في زمانه، فكان من حظ عبد الواحد بن عاشر أنه تتلمذ عليه.

* كما تتلمذ على أبي القاسم بن القاضي.

* ومن فقهائه أبو عبد الله الجنان وغير هؤلاء كثير.

* والفقيه عبد الواحد بن عاشر عالم جليل، وفقيه كبير في الغرب الإسلامي أيام السعديين، تبحر في الموسم، والضبط وعلوم القرآن والقراءات، والفقه واللغة والأصول.

كان رحمه الله مشاركا في جل الفنون والعلوم، خصوصاً علم القراءات، والرسم، والضبط، والنحو، والإعراب، وعلم الكلام، والأصول، والفقه، والتوقيت، والتعديل، والحساب، والفرائض، والمنطق، والبيان، والعروض، والطب، وغيرها. ثابر على التعليم، والبحث والتجوال تولى التدريس، والخطابة، من أبرز طلبته: أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة (ت1072هـ)، وأحمد بن محمد الزموري الفاسي(ت1057هـ)، ومحمد الزوين (ت1040هـ)، وعبد القادر الفاسي (ت1091هـ)، والقاضي محمد بن سودة (ت1076هـ)، الحافظ أبو زيد، وغيرهم.

رحلاته و آثاره 

رحل الفقيه عبد الواحد بن عاشر إلى الحجاز، قصد أداء فريضة الحج، وفي هذا البلد الأمين نظم أرجوزة في الفقه والعقائد، والتصرف «المرشد المعين ...» وانتشرت هذه المنظومة في الشرق العربي، والغرب الإسلامي، وأقبل عليها الناس حفظا وشرحا ودراسة.

والفقيه عبد الواحد بن عاشر كان يرى أن قراءة القرآن في الجنائز بدعة منكرة تجب محاربتها لانعدام النص في ذلك، ومن المدهش أن جل المغاربة يحفظون هذه المنظومة، إلا أنهم يقرأون القرآن على موتاهم في المقابر.

كان الفقيه عبد الواحد بن عاشررحمه الله مثال العالم، والقدوة، والعامل لإحياء السنة، ومحاربة البدعة اختصر في منظومته: العقائد الأشعرية، والعبادات الفقهية على مذهب مالك، وختمها بالتصوف الجنيدي، فكانت سهلة المنال سهلة الاستيعاب، وانتشرت في الغرب الإسلامي انتشارا واسعا.



مؤلفاته

ألف الشيخ ابن عاشر أربعة عشر كتاباً، كان أهمها وأشهرها نظمه في قواعد الإسلام الخمس ومبادئ التصوف، متن ابن عاشر الذي سماه:«المرشد المعين على الضروري من علوم الدين»، وبه اشتهر وعرف، داخل المغرب وخارجه. ومن تآليفه أيضاً:«شرح مورد الظمآن في علم رسم القرآن»، و«شرح على مختصر خليل، من النكاح إلى العلم»، و«رسالة في عمل الربع المجيب»، و«تقييد على العقيدة الكبرى للسنوسي»، وغيرها.

وفاته

توفي ابن عاشر عن عمر يناهز الخمسين سنة، إثر إصابته بمرض مفاجئ يسمى على لسان العامة بـ:«النقطة»، وهو داء عصبي يؤدي إلى الشلل الكلي، وقيل: مات مسموماً بسبب سم وضع له في نوار الياسمين، وذلك يوم الخميس 3 ذي الحجة عام 1040هـ/الموافق لـ 3 يوليوز 1631م، ودفن من الغد بأعلى مطرح الجنة، بقرب مصلى باب فتوح بفاس، وبني عليه قوس معروف غرب روضة يوسف الفاسي، بجوار السادات المنجريين.

من غرائب التاريخ "معركة كارانسيبيس"

0
من غرائب التاريخ "معركة كارانسيبيس"
من غرائب التاريخ "معركة كارانسيبيس"


من غرائب التاريخ "معركة كارانسيبيس"

اليوم نقصُّ عليكم أحذاث معركة كارانسيبيس "Battle of Karánsebes"، أسوأ ما حدث للجيش النمساوي وإمبراطوره في هاته المعركة في ليلة حالكة الظلمة من شهر سبتمبر من عام 1788.

فكرة الحملة ؟

كان جوزيف الثاني ملك النمسا كبيرا في السن فقرر في لحظة خطف فكري أن يعمل شيئا ما كي يتذكره التاريخ كعبقري عسكري قبل أن يتخطفه الموت. فلم يجد ما يحقق له ذلك الشرف العظيم إلا إعلانه الحرب على الدولة العثمانية، ولأجل ذلك تحققت رغبته في دخول التاريخ، لكن ليس تماما كما كان يتمنى.

تم إعلان الحرب على الدولة العثمانية في شهر سبتمبر من عام 1788 ، تم التحضير لكل شيء, جيش تعداده أزيد من 245 ألف جندي، أزيد من 36 ألف حصان، أزيد من 898 مدفع ميداني و176 ألف قذيفة. بالإضافة إلى ماكان يتطلبه إطعام هذا الجيش الضخم من مؤن قدرت ب 800 طن من الدقيق يوميا مع 200 رأس بقر.

التوجه إلى الحرب

كان جوزيف الثاني مُصرّاً على دخول التاريخ، أشرف بنفسه على قيادة الحملة. وسار مع جيشه الضخم إلى الحدود مع الدولة العثمانية التي تفصلها عن البلقان، خاض خلالها الجيش النمساوي معارك هنا وهناك مع فرق من الجيش العثماني المتحصنة ببعض القلاع. غير أن المعركة الحقيقية الفريدة من نوعها في تاريخ الحروب هي ما جرى للجيش النمساوي خلال تمركزه على ضفة نهر الدانوب بمنطقة كارانسيبس (تتبع حاليا رومانيا)، في ليلة حالكة الظلمة 19 سبتمبر .

كان هنالك مجموعة من الجنود النمساويين الفرسان عبروا جسرا يدعى تيمس للضفة الأخرى من النهر، وجدوا هنالك مجموعة من التجار الغجر وفروا لهم مجموعة من براميل الخمر الهولندي، فترجلوا عن جيادهم وانغمسوا في الشربلو العربدة.

وبعد بضع ساعات عبر الجسر مجموعة أخرى من الجنود المشاة الذين نال منهم الظمأ، وحرصا منهم على تجنب القادمين الجدد غير المرحب بهم، شيد الفرسان على جناح السرعة حماية حول البراميل وقاموا بمطاردة الجنود المشاة. الأمر الذي استفز الجنود الظامئين فأطلق أحدهم رصاصة، وتلعلت أخرى من هناك، فتدحرجت جثة. امتشق الفرسان سيوفهم وهاجموا المشاة ودحروهم، رد الآخرون عليهم بإطلاق النار، وسرعان ما نشبت معركة حقيقية بين جنود الجيش النمساوي سقط فيها عدة قتلى، ولأن الفرسان كانوا يتحصنون جيدا، حاول الجنود المشاة إخراجهم بـأن راحوا يصيحون “توركي.. توركي”، حيث أن فكرة مواجهة الجيش التركي كانت مخيفة.

فترك الفرسان السكارى مواقعهم وهربوا، كذلك فعل المشاة الذين خافوا من الفكرة التي التي كانوا للتو يصرخون بها، فحاول جنرال قدم إليهم أن يمنع تراجعهم صارخا فيهم “halt” وهي كلمة ألمانية تعني “توقفوا”. ولأن الجنود لم يكونوا ينطقون الألمانية لأنهم من أعراق مختلفة ظنوه يصرخ “الله”، فبدؤوا بإطلاق النيران.

على الضفة الأخرى من الجسر، كان غالبية الجيش نائما فسمعوا إطلاق النيران فظنوا أنه هجوم للجيش العثماني، وبسبب الظلمة الحالكة لم يتبينوا شيئا، فدب هلع ورعب كبيرين جعلا الأحصنة تضطرب لتحطم السياج وتنطلق هاربة مصدرة صوتا يشبه هجوم فرقة خيالة.

وهذا فعلا ما تخيله قائد الجيش الذي أمر المدفعية بإطلاق النيران فسقط مزيد من القتلى، وتعالى بين الجيش جئير “الأتراك.. الأتراك، أنج بنفسك!.. لقد ضاع كل شيء!”، وسرعان ما استبد الذعر بالجيش كله فغدا من العبث محاولة إخبار ذلك الجيش متعدد الأعراق واللغات ماذا يجري بالفعل. فتراجع الفوج الأول وتبعته الأفواج الأخرى، وسرعان ما تبعته حجافل الجنود الهاربين في موجة مد بشري. ولم تستطع معظم الأفواج من التفاهم مع بعضها بسبب عائق اللغة. مما جعل كل فوج يخال أن الآخر عدوه بسبب الظلام الحالك، وعندما سيطرت عليهم فكرة أن الأتراك بسيوفهم المقصوفة سينقضون عليهم، أطلقوا النيران على صفوفهم الفارّة إلى الوراء.

هزيمة الإمبراطور ؟

كان الإمبراطور النمساوي غافيا في عربته الملكية، بعد سماعه للضوضاء، ساعده حراسه على امتطاء جواده. لكن الجنود الفارين والحشد المندفع أسقطه عن حصانه فهرب إلى النهر وسار مبللا إلى أحد منازل كارانسيبس لينقذه حراسه بعد ذلك.

فر سائقوا عربات الأسلحة بالأحصنة، وتبعهم المدفعيون بالأحصنة التي كانت تحمل المدافع واندفعوا في موكب هارب دهس كل شيء، كل من تجرأ على الوقوف في طريقه، وقتل جراء ذلك عدذ ضباط وتملكهم الذعر، فلم يتبق أحد لم يركض، يلعن، يصلي، يطلق النار أو يموت.

نهبت البيوت، واغتصبت النساء، وأحرقت القرى، وامتلأت الطريق بما تركه الجنود من بنادق وخيام وجياد نافقة، وكل ما يمكن أن يتخلى عنه جيش مندحر. بعد يومين من الكارثة، تم إحصاء أكثر من 10 آلاف قتيل من الجيش، آلاف الجرحى وعتاد ضخم مرمي في كرانسيبس.. كل ذلك فقط بسبب الخوف وبرميل خمر.

توفي الإمبراطور بعد عامين فقط من المعركة الغريبة، وكان من آخر ما قاله “كل ما أريده أن يتحقق السلام في أوروبا”.

منهج السلف الصالح نماذج من حياتهم

0
منهج السلف الصالح نماذج من حياتهم
منهج السلف الصالح نماذج من حياتهم 

منهج السلف الصالح نماذج من حياتهم 

هذه نماذج لسلفنا الصالح رحمهم الله تعالى في حياتهم ، وكيف كان هذا السلف من الصحابة والتابعين يعيشون في بيوتهم العامرة بالإسلام والقرآن، وكان كل من عاش معهم تأثر بهم وبأخلاقهم ومعاملاتهم، وحياتهم الطيبة المعمورة بالقرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا دعاة إلى الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم.

الحرص على الوقت عند الصاحين


لقد اهتم سلفنا الصالح (رضوان الله عليهم) بعمارة أوقاتهم وحفظها بما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، قال ابن الجوزي-رحمه الله-:"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه،وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل". صيد الخاطر ( ص2).

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لرجل وهو يعظه :" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ،وصحتك قبل سقمك ،وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ".رواه الحاكم في المستدرك(4/341) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع(1077)

قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك. وقال أيضًا: يابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك. وقال: الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما ندمتُ على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي. وقال ابن القيِّم رحمه الله: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. وقال السَّرِيُّ بن المُغَلِّس رحمه الله: إن اغتممت بما ينقص من مالك، فابكِ على ما ينقص من عمرك.

السلف الصالح وحرصهم على الصلاة

الصلاة قرة عيون المؤمنين كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : وجعلت قرة عيني في الصلاة  ولذا كان يقول : أرحنا بها يا بلال ؛ فمن فضائل سلف هذه الأمة الصالح، حرصهم على صلاة الجماعة واهتمامهم بها وتشديدهم على من تهاون بشأنها أو قصّر في شهودها، ومن الأخبار الواردة عنهم في ذلك. أخرج الترمذي وحسنه الألباني أنه صلى الله عليه وسلم قال " من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار ، وبراءة من النفاق .

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج من بيته كل يوم، فينادي في الناس، أيها الناس! الصلاة الصلاة، يوقظهم لصلاة الفجر، و قال ابن مسعود رضي الله عنه من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.

وما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.

قال سعيد بن المسيب: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة، وقال: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد و قال أيضا : من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة، فقد ملأ البر والبحر عبادة..، و قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن الذين يتركون صلاة الوتر: ((لا تقبل لهم شهادة)).


بر الوالدين عند السلف الصالح

- قال ابن عباس : مامن مؤمن له أبوان فيصبح ويمسي وهو محسن إليهما إلا فتح الله له بابين من الجنة. وقال أبوالليث السمرقندي: لولم يذكر الله تعالى في كتابة حرمة عقوق الوالدين , ولم يوص بهما , لكان يُعرف بالعقل أن خدمتهما واجبة. وقال هشام بن عروة مكتوب في الحكمة: ملعون من لعن أباه , ملعون من لعن أمه.( ومعناها: أي يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه , فيصبح كأنه هو الذي لعنهما).

- قال بعض الصحابة: ترك الدعاء للوالدين يضيق العيش على الولد. وقال كعب: إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقاً لوالديه ليعجل له العذاب , وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان باراً ليزيد براً وخيراً. وقال أبوبكر بن أبي مريم قرأت في التوراة: من يضرب أباه يقتل. وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض , ثم يقول لأمه: ضعي قدمك على خدي.

- كان محمد بن سيرين إذا اشترى لوالدته ثوباً اشترى ألين مايجد , فإذا كان عيد صبغ لها ثياباً , وما رفع صوته عليها, كان يكلمها كالمصغي إليها , ومن رآه عند أمه لايعرفه ظن أن به مرضاً من خفض كلامة عندها. 
قال عبدالله بن عباس: كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. وقال وهب بن منبه: بلغنا أن الله تعالى قال لعُزير عليه السلام: بر والديك , فإن من بر والديه رضيت , وإذا رضيت باركت , وإذا باركت بلغت الرابع من النسل. وسئل الحسن عن الوالد والوالده فقال: حق الوالد أعظم , وبر الوالدة ألزم.
 عن عون بن عبدالله قال: قال عبدالله: صل من كان أبوك يصله , فإن صلة الميت في قبره أن تصل من كان أبوك يصله بالدنيا. وعن الأشجعي أنه قال: كنا عند سفيان الثوري , فأقبل ابنه سعيد فقال: ترون هذا؟ ماجفوته قط , وإنه ليدعُوني في الصلاة غير المكتوبة فأقطعها له.

الطعام عند السلف الصالح

الإقلال من الطعام - قال إبراهيم بن أبي أيوب: كان محمد بن عمرو الغزيّ يأكل في شهر رمضان أكلتين. - وقال أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت عند المهتدي عشيَّةً في رمضان، فقمت لأنصرف فقال: اجلسْ. فجلست، فصلى بنا، ودعا بالطعام، فأُحضر طبقُ خِلافٍ عليه أرغفةٌ، وآنيةٌ فيها ملحٌ وزيتٌ وخلٌّ، فدعاني إلى الأكل، فأكلتُ أكلَ من ينتظر الطبيخ. فقال: ألم تكن صائمًا؟
قلت: بلى. قال: فكُلْ واستوفِ، فليس هنا غير ما ترى!

  عن مالك بن دينار قال: إنه لتأتي علي السنة: لا آكل فيها، إلا في يوم الأضحى؛ فإني آكل من أضحيتي لما يذكر فيه. حلية الأولياء(2/ 366) عن أبي معمر قال: حدثني أبي عن جدي، قال: كنت عند مالك، فأخذ جلدة مساعدة؛ فقال: ما أكلت العام رطبة، ولا عنبة، ولا بطيخة ـ فجعل يعد كذا وكذا ـ؛ ألست أنا مالك بن دينار؟ حلية الأولياء(2/ 366).

كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يطوف بالبيت، وهو يقول: ويل لي من بطني: إذا أشبعته: كظني، وإن أجعته: سبني. حلية الأولياء(1/ 382). وعنه قال: خلطت دقيقي بالرماد، فضعفت عن الصلاة؛ ولو قويت عن الصلاة، ما أكلت غيره. حلية الأولياء(2/ 367). وعن محمد بن واسع قال: من قل طعمه: فهم وأفهم، وصفا ورق؛ وإن كثرة الطعام: لتثقل صاحبة عن كثير مما يريد. حلية الأولياء(2/ 351).

إطعام الطعام

وكان كثير من السلف يُؤثِر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة. وكان من السلف من يُطعِم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم ويروّحهم، منهم الحسن وابن المبارك. قال أبو السوار العدوي: "كان رجال من بني عديّ يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قَطُّ وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلاّ أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس وأكل الناس معه".

الجود في رمضان

قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}1، وقال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}2، إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتحاف الفقير، وشهر رمضان هو موسم للمتصدقين، والجود: هو سعة العطاء وكثرته، وهو صفة من صفات الله - تعالى- فهو الموصوف ،روى الفضيل بن عياض أن الله - تعالى - يقول كل ليلة: ((أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم)).

وقد روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"3، وفي رواية أحمد زيادة "لا يسأل عن شيء إلاَّ أعطاه".

قال المهلب: وفيه بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل، وعرضه القرآن عليه زاد في جود النبي r وصدقته، حتى كان أجود من الريح المرسلة. وقال ابن رجب: قال الشافعي : أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.

وكان ابن عمر -رضي لله عنهما- يصوم ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه، لم يتعشَّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائلٌ وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائلَ، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجَفْنةِ، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا. يقول يونس بن يزيد: كان ابن شهاب إذا دخل رمضان، فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. وكان حماد بن أبي سليمان يفطِّر في شهر رمضان خمسمائة إنسان، وإنه كان يعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم.

البخاري: كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان (1803)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة (2308).

السلف الصالح وحفظ اللسان

ذكر الإمام مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه أي يجره بشدة، فقال عمر: ( مَـه !! غفر الله لك " فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه : "إن هذا أوردني الموارد").

عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: أحق ما طهر العبد، لسانه. حلية الأولياء(1/ 307)، وكان طاووس بن كيسان رضي الله عنه يعتذر من طول السكوت ويقول: ( إني جربت لساني فوجدته لئيماً راضعاً) ، وكان عبد الله بن وهب رحمه الله يقول : ( نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني – يعني تعبت – فكنت أغتاب وأصوم أغتاب وأصوم .. فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة).

قال النووي في الأذكار : بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا , فقال أحدهما لصاحبه : (كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟ فقال : هي أكثر من أن تحصى , والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب, فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها .. قال : ما هي ؟ قال : حفظ اللسان !!).

عن الربيع بن خثيم قال: أقلوا الكلام، إلا بتسع: تسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن. حلية الأولياء(2/ 109)

وعن رجل من بني تيم ، قال: جالست الربيع - بن خثيم - عشر سنين، فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا، إلا مرتين، قال مرة: والد تك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجداً؟ حلية الأولياء(2/ 110)

عن مورق العجلي قال: لقد سألت الله حاجة كذا وكذا منذ عشرين سنة فما أعطيتها، ولا أيست منها، فسأله بعض أهله: ما هي؟ قال: أن لا أقول ما لا يعنيني.حلية الأولياء(2/ 235)

عن يونس بن عبيد قال: خصلتان إذا صلحتا من العبد، صلح ما سواهما من أمره: صلاته، ولسانه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". البخاري: كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (1804).

سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فأقبل عليه؛ فقال: مه أيها الرجل، فإنك لو قد وافيت الآخرة، كان أصغر ذنب عملته قط، أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج؛ واعلم أن الله تعالى حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه، فسوف يأخذ للحاج ممن ظلمه؛ فلا تشغلن نفسك بسب أحد.حلية الأولياء(2/ 271).

وعن علي بن أبي طالب قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو. وعن طلق بن قيس قال: قال أبو ذر : إذا صمتَ فتحفّظ ما استطعت. وكان طلق بن قيس إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلاَّ لصلاة. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام، باب ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب 2/421.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام

وعن أبي متوكل أن أبا هريرة وأصحابه كانوا إذا صاموا جلسوا في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام ، وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا فلا تجهل، ولا تساب، وإن جُهِل عليك فقل: إني صائم. أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (7456). وعن مجاهد قال: خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب. أخرجه عبد الرزاق في المصنف.

السلف الصالح وإخفاء العمل

كان الصالحون يسترون عباداتهم ، ويخفون طاعاتهم خوفا من دواعي الرياء والسمعة ونحوه مما قد يخدش الإخلاص و ينقصه، ومن أخبار السلف الصالح في الحرص على إخفاء أعمالهم؛ خوفًا على أنفسهم.. فهذا التابعي الجليل أيوب السختياني يحدث عنه حماد بن زيد فيقول: "كان أيوب ربما حدَّث بالحديث فيرقّ، فيلتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام؟ يُظهِر أنه مزكوم لإخفاء البكاء".

وعن محمد بن واسع قال: "لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة وقد بلَّ ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته. ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي جنبه". وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.

وعن ابن أبي عدي قال: "صام داود بن أبي هند أربعين سنةً لا يعلم به أهله، وكان خرازًا يحمل معه غذاءه من عندهم فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشيًّا فيفطر معهم". قال سفيان الثوري: "بلغني أن العبد يعمل العمل سرًّا، فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه، فيُكتب في العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحبَّ أن يُحمد عليه، فيُنسخ من العلانية فيثبت في الرياء".

كان عبد الله بن المبارك - رحمه الله- يضع اللثام على وجهه عند قتاله في سبيل الله. وكان عبد الرحمن بن مهدي يصلي فإذا دخل الداخل نام على فراشه ، وقال الشافعي لوددت أن الخلق يتعلمون مني ولا ينسب إلي منه شئ.

قال الحسن البصري: "إن كان الرجل لقد جمع القران وما يشعر به جاره ، وان كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس ، وان كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعند الزور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون في علانية أبدا".