قصص العرب: قصة زواج الحارثَ بن عوف

0
قصص العرب: قصة زواج الحارثَ بن عوف
قصص العرب: قصة زواج الحارثَ بن عوف

قصص العرب : قصة زواج الحارثَ بن عوف

من هو الحارث بن عوف ؟

الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، الغطفاني، ثم الذبياني، ثم المري، قدم على رسول الله فأسلم، وبعث معه رجلاً من الأنصار إلى قومه ليسلموا، فقتلوا الأنصاري، ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه، وفيه يقول حسان: "الكامل" يا حار من يغدو بذمة جـاره منكم فإن محمـداً لا يغـدر......وأمانة المري ما استودعـتـه مثل الزجاجة صدعها لا يجبر.

فجعل الحارث يعتذر، ويقول: أنا بالله وبك يا رسول الله من شر ابن الفريعة؛ فوالله لو مزج البحر بشره لمزجه، فقال النبي : "دعه يا حسان"، قال: قد تركته،  وهو صاحب الحمالة في حرب داحس والغبراء وهو ابن سيد غطفان في حرب الفجار ، وأحد رؤوس الأحزاب يوم الخندق، ولما قتل الأنصاري الذي أجاره بعث بديته سبعين بعيراً، فأعطاها رسول الله ورثته، واستعمله النبي على بني مرة، وله عقب. أخرجه أبو عمر وأبو موسى.

سعى الحارث بن عوف  مع هرم بن سنان ، في الصلح بين عبس وذبيان، وتًحملا ديات القتلى ونشرا السلام في غطفان، مما دعى زهير بن أبي سُلْمى ليمدح هذين العظيمين على ما قاما به من جهود لتوطيد دعائم السلم في الجزيرة العربية و كان زواجه هو سبب هذا الصلح كما سنرى .

قصة زواج الحارثَ بن عوف

يُروى أنَّ الحارثَ بن عوف قال يوماً لخارجةَ بنُ سنان : أتراني أَخطُبُ إلى أَحَدٍ فَيَردّني؟ قال : نعم، قال: ومَن ذاك؟ قال : أوسُ بن حارثة الطائي. فقال اركب بنا إليه. فركبا حتى أتيا أوساً، فلما رأى الحارثَ بن عوف قال : مرحباً بك ياحارث، ثم قال : ماجاء بك! قال : جئتك خاطبا، قال : لَستَ هناك، (أي لن أُجيبَ طلبَك) فانصرف ولَم يُكَلّمُه. فدخل أوس على امرأتِه مُغضباً - وكانت من بني عبس - فقالت : مَن الرجلْ الذي وقفَ عليك فَلم يُطِل ولَم تكلمه؟ قال : ذاك سيد العرب الحارث بن عوف، قالت : فمالك لاتستنزله؟ (أي ما لك لم تدعه لينزل عندك وتقدم له واجب الضيافة؟) قال : إنه استحمق، قالت : وكيف؟ قال : جاءني خاطبا، قالت : أفتريد أن تُزَوِّج بناتك؟ قال : نعم، فقالت : فإذا لم تُزَوِّج سيدَ العرب فمن؟ قال قد كان ذلك، قالت : فتدارك ماكان مِنكَ، قال : بماذا؟ قالت : تلحقه فتردّه قال :كيف وقد فرط مني مافرط إليه؟ فقالت : تقول له : إنك لقيتني مُقتضباً بأمر لم يتقدم مني فيه قول، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ماسمعت، فارجع ولك ماعندي كل ما أحببت! فركب أوس في أثرهما، قال خارجة بن سنان : فوالله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فقلت للحارث، وهو ما يكلمني غمّا، هذا أوس في أثرنا فقال ما أصنع به؟ فلما رآنا لا نقف قال يا حارث اربِع علي فوقفنا له وكلمه بذلك الكلام فرجع مسروراً. ثمَّ دخل أوس منزلهُ ، وطلب من زوجته أن تدعو إليه كبرى بناته ، وعندما أتته قال لها :

- يا بُنيَّة هذا الحارثَ بن عوف سيِّد من سادات العرب ، جاءني خاطباً ، وقد أردت أن أزوِّجكِ منه فما تقولين ؟

قالت : لا تفعل ، لأنَّ في خلقي رداءة ، وفي لساني حِدَّة ، ولستُ بابنةِ عمِّه ، فيُراعي رحِمي ، ولا هو بجار لكَ في البلد ، فيستحي منكَ ، ولا آمنُ أن يرى فيَّ ما يكره ، فيُطلـِّقـني ، فيكون عليَّ بذلكَ سُبَّة .

قال لها : قومي باركَ اللهُ فيكِ .

ودعا ابنتهُ الثانية ، فقالت لهُ ما قالت أختها . ثمَّ دعا الصّغرى ، وقال لها : " إني عرضتُ الزواج من الحارثَ بن عوف على أختيكِ فأبتاهُ "، فقالت لهُ : " والله ، إني الجميلة وجهاً ، الرَّفيعة خلقاً ، الحسنة رأياً ، فإن طلـَّـقـني فلا أخلف الله عليهِ " .

فقال لها : باركَ اللهُ فيكِ . ثمَّ خرج إلى الحارثَ وقال لهُ : قد زوَّجتكَ يا حارثَ  بابنتي هنيسة .

ثمَّ بعثها أبوها إلى زوجها ، وعندما دخلت عليه مدَّ يدهُ إليها ، فقالت لهُ : " مَهْ ( كـُفَّ وامتنع ) ، أعند أبي وإخوتي ؟ هذا ، والله ، لا يكون أبداً" . ثمَّ أمر هرم بالرِّحلةِ ، وفي بعض الطريق ، عندما قرُبَ منها ، قالت لهُ : " أتفعلُ بي كما يُفعل بالأمة السَّبيَّة ، لا والله لا يكون هذا حتى تـنــحر الجُزر والغنم ، وتدعو العرب" . فقال في نفسه : " والله ، إني لأرى همَّة وعقلا ً، وأرجو من الله أن تكون المرأة النـَّجيبة" .

ثمَّ مضى وورد إلى بلاده ، فأحضر الإبل والغنم ونحر وأوْلمَ ، ثمَّ دخل عليها ، وقال لها " قد أحضرتُ من المال ما تـُريدين" . قالت : واللهِ ، لقد ذكرتَ من الشـَّـرف بما ليس فيكَ . قال لها : ولمَ ذاكَ ؟ قالت :" أتتفرَّغ للزواج والعرب يقتل بعضها بعضاً ؟". وكان ذلك في أيَّـام قيس وذبيان أيْ حرب داحس والغبراء ، فقال لها : فماذا تقولين ؟ قالت : " اخرج إلى القوم ، فأصلح بينهم ، ثمَّ ارجع إلى أهلكَ ، فلن يفوتكَ ما تريد" . فقال في نفسهِ : " والله ، إني لأرى عقلا ً ورأياً سديداً " .

فخرج الحارثَ بن عوف مع  هـرم بن سنان حتى أتيا القوم ، ومشيا بينهم بالصّـلح ، فأصلحوا على أن يحسبواالقـتـلى ، ثمَّ تؤخذ الدِّيـة ، فحملا عنهم الدِّيات ، فكانت ثلاثة آلاف بعير ، وانصرفا بأجمل ذكر و في ذلك قال فيهما زهير بن أبي سلمى :

تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا تَفَانَوْا وَدََقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ

 ثمَّ دخل الحارث على زوجته ، فقالت لهُ :" أمَّا الآن فنعم ". فكانت رجاحة عقلها سببا في و قف حرب أكلت قبيلتين كبيرتين وسفكت دمائهما فتصالحا وأصبحت مفخرة للحارثَ بن عوف مع صاحبه هرم بن سنان .

معركة أُليّس العنيفة

0
معركة أُليّس العنيفة
معركة أُليّس العنيفة 


معركة أُليّس العنيفة

معركة أُليّس أو معركة نهر الدم هي معركة دارت في ربيع الأول من سنة 12 هـ في العراق بين جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وجيش الفرس الساسانيين بقيادة جابان، وانتهت بهزيمة ساحقة للفرس.

قبل المعركة

كان لصدى انتصار المسلمين في معركة الولجة على الفُرس ومن عاونهم من نصارى العرب في العراق أثر بالغ في نفوس نصارى العراق في الولجة؛ وذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل من نصارى العرب ممن كان مع الفرس، فاجتمع عشائرهم وأشدهم حنقا عبد الأسود العجلي، وكان قد قتل له ابن بالأمس، فكاتبوا الأعاجم واستغاثوا بكسرى، وطلبوا منه الإمدادات؛ فانتعشت آمال كسرى، وفرح بكتاب النصارى من أليس وكتب لقائده الكبير بهمن جاذويه ـ وكان لا يزال في المنطقة بعد هزيمة الولجة فأمره كسرى أن ينضم للنصارى في أليس - وهي إحدى قرى الأنبار على الفرات - للصدام مع جيش المسلمين. توجه بهمن جاذويه إلى أليس، وفي الطريق يعود بهمن للمدائن لأمر هام، ويترك قيادة الجيوش للقائد جابان الذي كان عاملاً محنكًا، ولكن شخصيته ضعيفة.

فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله إذ غافلهم خالد بجيشه، فلما رأوه قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أم نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتل بعد الفراغ؟

فقال جابان: إن تركوكم والتهاون بكم فتهاونوا، ولكن ظني بهم أن سيعجلونكم ويعجلونكم عن الطعام . فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا عليها فلم يسمعوا منه.

فأخدهم الغرور لكثرتهم ؛ لأن تعدادهم كان يفوق المائة والخمسين ألفًا! وخالفوا أمر قائدهم ، ثم خالفوه مرة أخرى عندما أمرهم بأن يضعوا السم في الطعام؛ فإذا ما انتصر المسلمون وأكلوا من هذا الطعام ماتوا! ولكنهم اغتروا وتكبروا وظنوا أنهم لا يُغلبوا.

المعركة

فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه ونادى بأعلى صوته لشجعان فنادى: «"أين ابن أبجر ؟ أين عبد الأسود؟ أين مالك بن قيس؟"» فلم يردوا عليه إلا مالكا برز له فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك عليّ من بينهم، وليس فيك وفاء، فضربه فقتله، فقال جابان:" ألم أقل لكم يا قوم ! أما الله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم" ؛ فقالوا حيث لم يقدوا على الأكل تجلدًا: ندعها حتى نفرغ منهم ؛ ونعود إليها. فقال جابان: " وأيضاً أظنكم والله لهم وشعتموها وأنتم لا تشعرون ؛ فالآن فأطيعوني ؛ سموها ؛ فإن كانت لكم فأهون هالك، وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئًا؛ وأبليتم عذرًا".

فقالوا: لا اقتدارًا عليكم. فجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر ؛ وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها، فاقتتلوا قتالاً شديداً، والمشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة وشدة، و بأس في القتال، وصبر المسلمون صبرا بليغا.

صمد المسلمون لشراسة هجوم جيش الأعراب و حليفهم الفرس ، و سطّر المسلمون بطولات نادرة في الشجاعة و القتال؛ و دات الدوائر علي جيوش العدّو و شقّ خالد و أبطال جيشه صفوفهم وزرعوا الرعب في قلوبهم فأندحر جيش الشرك و إنهزم بعد خسارة نصفه و كان الأسرى بالاف .

 شبهة نهر الدم

في رواية أخرى قال خالد: " اللهم إن لك على نهرهم بدمائهم"! ثم أن الله عز وجل كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه، فنادى في الناس: الأسر الأسر! لا تقتلوا إلا من امتنع ؛ فأقبلت السيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سوقًا، وقد وكل بهم رجالًا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد ؛ حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع بن عمرو التميمي وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم ؛ إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان، ونهيت الأرض عن نشف الدماء ؛ فأرسل عليها الماء تبر يمينك. وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده، فجرى دمًا عبيطًا فسمى نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم.

هذه شبهة و جُرم في حق صحابيّ كخالد والرد على الشبهة كالتالي :

أولًا: إن الرواية جاءت من طريق سيف بن عمر التميمي البرجمي، وهو متروك الحديث، وقد اتهم بالوضع، ولم يوثقه أحد من أهل الجرح والتعديل، ولا يعرف لهذه القصة سند إلا من طريقه التي ذكرها الطبري في تاريخه. وعلى هذا فإن ما ذكر في تلك الرواية هو كذب في حق خالد بن الوليد.

ثانيا: من النا حية العقلية تذكر الرواية أن عدد المسلمين ثمانية عشر ألفًا بينما عدد النصارى والفرس مائة وخمسين ألفًا تبقى منهم أحياء سبعين ألفًا !

هنا أسئلة تطرحها نفسها بحسب هذه الرواية التي لا تصح ألا وهي:

- ألم يُقتل من المسلمين خلق كثير؛ فلنفترض أن الأحياء عددهم عشرة الآلف،هل يُعقل أن عشرة الآلف يأسرون سبعين ألفًا مسلحين؟!

- هل من المعقول أن خالد بن الوليدt ينذر لله نذرًا محرمًا يقول فيه: : " اللهم إن لك على نهرهم بدمائهم"!

وفي راوية أخرى (الكامل لابن الأثير): "اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم".؟

ألا يعلم خالد بن الوليد ومن معه من الآلف الصحابة y أن قتل الأسير لا يجوز شرعًا؛ بل يعينه على ذلك الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو ؟!

ثم لنا في رسول اللهr أسوةً حسنةً؛ فحينما فتح مكةَ فوجد أهلها مستسلمين له لم يقتلهم كما قتلوا أصحابه وعمه حمزةt ؛ بل عفا عنهم قائلًا: "ما تقولون وما تظنون"؟ فقالوا : نقول أخٌ وابنُ عَمٍّ حليمٌ رحيمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقول كما قال يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"» رواه البيهقي في السنن الكبرى، الطحاوي في شرح معاني الآثار، وإسناده صحيح.

ابن مالك الأندلسي

0
ابن مالك الأندلسي
ابن مالك الأندلسي

ابن مالك الأندلسي

محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني المعروف بـابن مالك (600 هـ-672 هـ) نسبةً إلى جيان - بفتح الجيم وتشديد الياء كذا ضبطها ياقوت وصاحب القاموس والمقري - بالأندلس التي بها ولد.

هو عالم لغوي كبير وأعظم نحوي في القرن السابع الهجري، وُلِد بالأندلس، وهاجر إلى الشام، واستقر بدمشق، ووضع مؤلفات كثيرة، أشهرها الألفية، التي عُرِفت باسم "ألفية ابن مالك".

مولده و نشأته


وُلد ابن مالك الأندلسي في مدينة "جيان الحرير" وهي بلدة من مشاهير بلاد الأندلس سنة (600 هـ - 1203 م)، وكانت الأندلس تمرُّ بفترة من أحرج فترات تاريخها؛ حيث تساقطت قُراها وحواضرها في أيدي القشتاليين، فهاجر مع مَن هاجر إلى المشرق الإسلامي بعد سقوط المدن الأندلسية، وقد ذكر لنا "المقري" في كتابه المعروف بـ"نفح الطيب" بعض أسماء شيوخ ابن مالك الذين تلقى العلم على أيديهم قبل هجرته إلى الشام، فذكر أنه أخذ العربية والقراءات على ثابت بن خيار، وأحمد بن نوار، وهما من شيوخ العلم وأئمته في الأندلس.

بدأ دراسته في بلده بحفظ القرآن الكريم، ودراسة القراءات والنحو والفقه على مذهب الإمام مالك، فأخذ العربية والقرآن بجيّان عن ثابت بن خيار الكلاعي من أهل لبّة. و في المشرق قدم ابن مالك الأندلسي دمشقَ وسمع من مكرم وأبي صادق الحسن بن الصباح، وأبي الحسن السخاوي، وغيرهم. ثم توجه ابنُ مالك إلى حلب وتلقى النحو على ابن يعيش شارح المفصل للزمخشري، وعلى تلميذه ابن عمرون، وأغلب الظن أنه حضر جانبًا من شرح المفصل عند ابن يعيش.

وقد هيأت له ثقافته الواسعة ونبوغه في العربية والقراءات أن يتصدر حلقات العلم في حلب حتى صار مضرب المثل في معرفته بدقائق النحو والصرف واللغة وأشعار العرب وأن تُشَدّ إليه الرِّحال، ويلتف حوله طلاب العلم، بعد أن صار إمامًا في القراءات وعِلَلها، متبحِّرًا في علوم العربية، متمكنًا من النحو والصرف لا يباريه فيهما أحد، حافظًا لأشعار العرب التي يُستشهد بها في اللغة والنحو.

ثم رحل إلى حماة تسبقه شهرته واستقر بها فترة، تصدَّر فيها دروس العربية والقراءات، ثم غادرها إلى القاهرة، واتصل بعلمائها وشيوخها، ثم عاد إلى دمشق، وتصدر حلقات العلم في الجامع الأموي، وعُيِّن إمامًا في "المدرسة العادلية الكبرى"، وولِّي مشيختها، وكانت تشترط التمكن من القراءات وعلوم العربية، قام ابن مالك الأندلسي بالتدريس في الجامع الأموي والمدرسة العادلية الكبرى بدمشق، ، وكان أكثر ما يلقيه على تلاميذه النحو، كما كان يدرّس القراءات. وقيل: كان يخرج على باب مدرسته ويقول: هل من راغب في علم الحديث أو التفسير أو كذا أو كذا قد أخلصتها من ذمّتي؟ فإذا لم يُجَبْ قال: خرجتُ من آفة الكتمان.

تلاميذه

صارت له مدرسة علمية تخرَّج فيها عدد من النابغين، كانت لهم قدم راسخة في النحو واللغة، ومن أشهر تلاميذه: إبنه "محمد بدر الدين" الذي خلف أباه في وظائفه، وشرح الألفية، وبدر الدين بن جماعة قاضي القضاة في مصر، وأبو الحسن اليونيني المحدِّث المعروف، وأبو الثناء محمود الحلبي كاتب الإنشاء في مصر ودمشق، ومن تلاميذه أيضا الشيخ بهاء الدين بن النحاس النحوي الكبير، والشيخ الإمام النووي، والعالَم الفاروقي، ويكفيه شرفًا أنّ ممّن أخذ عنه الإمام النووي، وقال: إنه عَناهُ بقوله في الألفية: ورجل من الكرام عندنا.

أخلاقه و علمه

كان ابن مالك كان على جانب عظيم من الدين والعبادة وكثرة النوافل وحسن السمت، وكمال العقل والعفة. حريصًا على العلم، وكان كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئًا من حفظه حتى يراجعه في محله، ولا يُرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنّف أو يُقرئ، إمامًا في القراءات وعللها، كان إمامًا فذًّا في علوم العربية، فقد صرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وأربى على المتقدمين، وكان إليه المنتهى في اللغة، وكان في النحو والتصريف البحر الزاخر والطود الشامخ حتى كانت شهرته على الخصوص بهما، وجل تأليفه فيهما.

وكان في الحديث واسع الاطلاع، وكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإذ لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، وإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى أشعار العرب، وقد اعترف له فضلاء زمانه بالتقدم والفضل، فقد كان ابن مالك إذا صلّى بالعادلية يشيّعه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان إلى بيته تعظيمًا و تقديرا له.

مؤلفات ابن مالك

كان ابن مالك غزير الإنتاج، تواتيه موهبة عظيمة ومقدرة فذَّة على التأليف، فكتب في النحو واللغة والعروض والقراءات والحديث، واستعمل النثر في التأليف، كما استخدم الشعر في بعض مؤلفاته، ومن أشهر كتبه في النحو: "الكافية الشافية"، وهي أرجوزة طويلة في قواعد والصرف، وكتاب "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" جمع فيه بإيجاز قواعد النحو مع الاستقصاء؛ بحيث أصبح يُغني عن المطوَّلات في النحو، وقد عُنِي النحاة بهذا الكتاب، ووضعوا له شروحًا عديدة.

وله في اللغة: "إيجاز التصريف في علم التصريف"، و"تحفة المودود في المقصور والممدود"، و"لاميات الأفعال"، و"الاعتضاد في الظاء والضاد". وله في الحديث كتاب "شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح"، وهو شروح نحوية لنحو مائة حديث من صحيح البخاري.

ألفية ابن مالك

الألفية هي أشهر مؤلفات ابن مالك حتى كادت تطغى بشهرتها على سائر مؤلفاته، وقد كتب الله لها القبول والانتشار، وهي منظومة شعرية من بحر "الرجز"، تقع في نحو ألف بيت، وتتناول قواعد النحو والصرف ومسائلهما من خلال النظم بقصد تقريبهما، وتذليل مباحثهما، وقد بدأها بذكر الكلام وما يتألف منه، ثم المعرب والمبني من الكلام، ثم المبتدأ والخبر، ثم تتابعت أبواب النحو بعد ذلك، ثم تناول أبواب الصرف، وختم الألفية بفصل في الإعلال بالحذف، وفصل في الإدغام.

ومن نظمه ما قاله في الكلام وما يتألف منه:  

   كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِم واسْمٌ وَفِعْلٌ، ثمَّ حَرْفٌ - الكَلِمْ                 واحدُهُ كلِمَةٌ والقَوْل عَـمْ وكِلْمَةٌ بها كـلامٌ قـد يُؤَمْ     

بالجَرِّ والتَنْوِين والنِّدَا، وَأَلْ وَمُسْنَدٍ للاسْم تَمييزٌ حَصَلْ                   بتا فَعَلْتُ وَأَتت ويا افْعَلِي ونُونِ أَقْبِلَنَّ فِعْلٌ يَنْـجَلِي

التزم ابن مالك في الألفية المنهج الاختياري الانتقائي، الذي يقوم على المزج بين مذاهب النحاة دون ميل أو انحياز، والتخير منها والترجيح بينها، وهو منهج التزمه في مؤلفاته كلها. كما توسَّع في الاستشهاد بالحديث النبوي، واتخذه أساسًا للتقعيد النحوي إلى جانب الاستشهاد بالقرآن الكريم بقراءاته المختلفة وأشعار العرب.

يُذكر لابن مالك أنه وضع عناوين جديدة لبعض مسائل النحو، لم يستخدمها أحد قبله من النحاة، مثل باب "النائب عن الفاعل"، وكان جمهور النحاة قبله يسمُّونه: "المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله"، و"البدل المطلق" بدلاً من قولهم "بدل كل من كل"، و"المعرف بأداة التعريف" بدلاً من "التعريف بأل".

شهرة ألفية بن مالك


ولقد لقيت ألفية ابن مالك عناية كبيرة من العلماء، فقام بعضهم بشرحها وإعراب أبياتها، أو وضع حواشٍ وتعليقات عليها، وقد زاد عدد شرَّاح الألفية على الأربعين، من بينهم ابن مالك نفسه، وابنه "محمد بدر الدين" المتوفَّى سنة (686 هـ = 1287 م)، غير أن أشهر شروح الألفية وأكثرها ذيوعًا هي:

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: للنحوي الكبير جمال الدين بن هشام الأنصاري المتوفَّى سنة (761 هـ = 1359 م)، وقد حقَّق هذا الكتاب العالم الجليل محمد محيي الدين عبد الحميد، وصنع له شرحًا باسم "عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك"، في أربعة مجلدات، وقد رُزِق الكتاب وشرحه القبول، فأقبل عليه طلاب العلم ينهلون منه حتى يومنا هذا.

شرح ابن عقيل لقاضي القضاة بهاء الدين عبد الله بن عقيل، المتوفَّى سنة (769 هـ = 1367 م)، وهو يمتاز بالسهولة وحسن العرض، وقد حقَّق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد هذا الكتاب، ونشره في أربعة أجزاء مع تعليقه عليه بعنوان "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل"، وقد لقي هذا الشرح قبولاً واسعًا، ودرسه طلبة الأزهر في المرحلة الثانوية.

منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" المعروف بـ"شرح الأشموني"، لأبي الحسن علي نور الدين بن محمد عيسى، المعروف بالأشموني، المتوفَّى سنة (929 هـ = 1522 م)، وهذا الشرح يُعَدّ من أكثر كتب النحو تداولاً بين طلبة العلم من وقت تصنيفه إلى الآن، وهو من أغزر شروح الألفية مادة، وأكثرها استيعابًا لمسائل النحو ومذاهب النحاة.

وبلغت العناية بأبيات الألفية أن قام بعض العلماء بإعرابها مثلما فعل الإمام "خالد الأزهري" المتوفَّى سنة (905 هـ = 1499 م) في كتابه "تمرين الطلاب في صناعة الإعراب"، كما قام بعض العلماء بشرح شواهد شروح الألفية، مثلما فعل "بدر الدين العيني" المتوفَّى سنة (855 هـ = 1451 م) في كتابه "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية".

وفاة إبن مالك

تُوفِّي في (يوم الاثنين 12 شعبان 672 هـ - 21 من فبراير 1274 م) في دمشق، وصُلِّي عليه بالجامع الأموي، ودفن بسفح جبل قاسيون، وقبره بالروضة شرقي قبر الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وعند رأسه حجر من صوان أحمر.

معركة الولجة الرهيبة

0
معركة الولجة الرهيبة
معركة الولجة الرهيبة


معركة الولجة الرهيبة

معركة الولجة التي وقعت في العراق في مايو 633 م، بين جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والامبراطورية الفارسية وحلفاءها من العرب المسيحيين. في هذه المعركة كانت قوات الفرس ضعف قوات المسلمين، وهزم سيف الله خالد بن الوليد القوات الفارسية رغم تفوقها العددي بخطة عبقرية يمكن تسميتها بتكتيك الكماشة ،حلقة من سلسلة معارك الفتح الإسلامي بالعراق .

قبل المعركة

نزلت أخبار هزيمة الفرس في المذارمن قبل قارن وأصحابه إلى أردشير كسرى الفرس كالصاعقة يومئذٍ وهزيمة جنده على أيدي العرب المسلمين، بعث أميراً شجاعاً يقال له الأنْدرْ زَغَرَ، وكان من أبناء السواد ولد بالمدائن ونشأ بها وأمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه، فساروا حتى بلغوا مكاناً يقال له: الولجة، فبعث الأند زغر على رأس جيش عظيم واردفه بجيش آخر عليه بهمن جاذويه وتحرك الاندرزغر من المدائن حتى انتهى إلى كسكر ومنها إلى الولجة وخرج بهمن جاذويه سالكاً وسط السواد يريد أن يحضر جيش المسلمين بينه وبين الاندرزغر واستطاع أن يحشر في طريقه عدداً من الأعوان والدهاقين وتجمعت القوة الفارسية في الولجة وعندما شعر الاندرزغر ان حشوده أصبحت كبيرة قرر الزحف على جيش المسلمين بقيادة خالد.

كانت خطة الفرس مبنية على توقعاتهم بتقدم المسلمين علي امتداد نهر الفرات الي شمال غرب العراق ،بحكم معرفتهم بالعرب و ما سبق من معارك بينهم ، وعلي هذا الاساس أمر الامبراطور الفارسي قائد الجيش الاول "الاندرزغر" ان يحرك جيشه الي الولجه ، حيث سوف ينضم اليه في اقرب وقت جيش الفرس الثاني .

 المعركة 

بلغ خالد بن الوليد وهو بالثني (مكان قرب البصرة ومعناه منعطف النهر والجبل) تجمع الفرس و نزولهم الولجة رأى ان من الأفضل للمسلمين أن يهاجموا هذه الحشود الكبيرة من ثلاث جهات حتى يفرقوا جموعهم وتكون المفاجأة للفرس مُزلزلة بحث تنسف كل خططهم و تُربك صفوفهم وأخذ يعد العدة لتنفيذ خطة الهجوم، ولكي يؤمن خطوطه الخلفية أمر سويد بن مقرن بلزوم الحضيروتحرك بجيشه حتى وصل الولجة وبعد أن قام باستطلاع واف للمنطقة وجد أن ميدان المعركة ارض مستوية وواسطة تصلح للقتال وتسمح بحرية الحركة.

كان تكتيك خالد هو منع مقاتلي العدو من الهرب من خضم معركة وإعادة تنظيم صفوفهم والعودة لمواصلة القتال. لذلك، قرر إحاطة الجيش الفارسي، والانقضاض عليه من الخلف، وتدمير جيشهم في هذا الوقت، إحاطته من كل جانب و الإنقضاض عله في تكتيك الكماشة.

قرر خالد أن يهاجم قوات الفرس من ثلاث جبها لتنفيذ خطته وبعث بفرقتين لمهاجمة حشود الفرس من الخلف والجانبين، فوجئ "الاندرزغر" بقوة جيش المسلمين . وقدره حوالي عشره الاف مقاتل وكان "الاندرزغر" يتوقع جيش اكبر بناء علي المعلومات التي وصلت اليه .

وفي بدايه اليوم التالي والجيشين جاهزين للمعركه خرج احد ابطال الفرس العمالقه ويدعي "حضرمرد" يقال انه يعادل الف رجل طالباََ المبارزه ، فخرج القائد البطل خالد بن الوليد من بين صفوف المسلمين وبعد بضع دقائق من المبارزه الشديده ضربه "خالد" بالسيف وقتله ، فرفع هذا الحذث معنويات المسلمين ، وقد كان أمر خالد ضرار بن الأزور في ليلة المعركة ان يأخذ جزء من خيالة المسلمين ويلتف حول الهضبة من ميمنة و ميسرة الجيش الفارسي في مسافة طويلة في طريق كان يعرفه العرب غير المسلمين ضد الفرس فلم يكن الاندرزاغر يتوقع هذه الخطة فأطبق المسلمين الكماشة.

أعطى خالد توجيهاته إلى سويد بن مقرن لمراقبة وحراسة المعابر التي قد يعبر منها الفرس ويهاجموا من الشمال والشرق، وتنبيهه في حالة وجود قوات جديدة للعدو في تلك الاتجاهات. و مما زاد من حماس جيش المسلمين قِتال "خالد" في الصف الامامي ، وبدأت المعركة واشتد القتال بين الفريقين وشدد خالد بهجومه من المقدمة، وفي الوقت المناسب انقض الكمينان على مؤخرة جيش العدو فحلّت به الهزيمة المنكرة، وفرّ الاندرزغر مع عدد من رجاله ولكنهم ماتوا عطشاً وقام خالد في الناس خطيباً، وكان مِمّا قال:" ألا ترون ماهاهنا من الأطعمات؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولّي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه ". ثم خمس الغنيمة ، وقسم أربعة أخماسها، وبعث الخمس إلى الخليفة الصديق رضي الله عنه ، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة وأقر الفلاحين بالجزية.

كانت معركة الولجة أطول وأشرس المعارك التي خاضها المسلمون في العراق، لذلك سعى خالد بن الوليد إلى ضمان أن تبقى معنويات المسلمين مرتفعة، تم تدمير جيش الفرس كلّه بأستثناء بعض الجنود الذين تمكنوا من الهرب ، أُبيد جيش الفرس ولم يعد هناك جيش اسمه جيش "الاندرزغر" ومن غرائب معركة الولجة هروب قائد الفرس "الاندرزغر" نحو الصحراء وليس نحو الفرات ، وقد تعمّق "الاندرزغر" في الصحراء هم ومن معه فضلوا الطريق وماتوا عطشا .

علماء المسلمين الإمام المجاهد الكِلاعي

0
علماء المسلمين الإمام المجاهد الكلاعي
علماء المسلمين الإمام المجاهد الكلاعي

علماء المسلمين الإمام المجاهد الكِلاعي

الإمام العلامة الكبير، والمجاهد العالم الشهيد، أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي البلنسي الاندلسي، برز ، وظهر في عصر العلماء الحافل ، أحص ابن الأبار في "تكملة الصلة" لشيوخ عصرالقرن الممتد من منتصف القرن السادس الهجري إلى منتصف القرن السابع الهجري، نحو 2500، فيم لم يُحص ابن بشكوال في قرن ونصف –منذ أول الخامس حتى منتصف السادس- سوى 1440، وكان ابن الفرضي قد أحصى خلال القرون الأربعة الأولى 1766 رجلا، وهذا مع أن الأندلس كان قد تقصلت أرضه في الزمن الذي رصده ابن الأبار،وروزه هذا في هذا العصر المليء بالعلماء إنما هو دليل إلى مقامه في العلم ورسوخه فيه .

مولده و نشأته


ولد سنة 565هـ في بعض ثغور بَلَنْسِيَة الشرقية بالاندلس، وما لبث أن انتقل به أهله وهو ابن عامين إلى بلنسية، نشأ على حب العلم وارتياد حلقات العلماء. ثم ارتحل سنة 587هـ في طلب العلم في بلاده الأندلس، فزارمَرْسِيَة وإشبيلية وغَرْناطة وشاطِبة ومالَقة… وحصَّل في رحلته هذه مختلف العلوم والفنون، ونال الإجازة من كثير من العلماء والشيوخ.

نُدب الإمام الكلاعي للعمل في ديوان الإنشاء فاعتذر واستعفى، وولي القضاء فعرف بالعدل والاستقامة ، كما ولي الخطابة في جامع بلنسية. وكان إضافة إلى علمه ذا جلالة ونبل ورياسة وفضل، حتى أصبح المتكلمَ عن الملوك في مجالسهم، والمنبئ عنهم لما يريدونه على المنبر في المحافل.

عصرالفتن و ضعف الدولة الموحدية

لم يشهد عصر من عصور الأندلس تضعضعا وتراجعا مثلما شهد في النصف الأول من القرن السابع الهجري، ففي أوله نزلت بالمسلمين هزيمة ساحقة في معركة العقاب عام 609 هـ = 1212م، ثم ما لبثت دولة الموحدين التي كانت تحكم المغرب والأندلس أن خارت قواها وضعفت وتغلغل فيها الوهن والضعف نتيجة إنقسام أمرائها و إنقلاب بعضعهم على بعض طمعا في الحكم، وكان من آثار هذا الضعف أن تساقطت ممالك الأندلس وحواضرها سريعا كأنها حبات عقد انفرط.

ففي سنة 623 هـ سقطت بياسة، ثم جزيرة ميورقة وبطليوس وسنة (627هـ)، وماردة سنة (628هـ)، وأبدة سنة (630هـ)، واستجة والمدورسنة (633هـ)، وفي نفس العام سقطت قرطبة عاصمة الإسلام ودرة مدن أوروبا الوسيطة، وبلنسية سنة (636هـ)، ومرسية وشلب سنة (640هـ)، ودانية ولقنت سنة (641هـ)، وأريولة وقرطاجنة وجيان سنة (643هـ)، وشاطبة سنة (644هـ)، وإشبيلية سنة (646هـ)، وشنتمرية الغرب سنة (647هـ)... وغيرها من المدن .

وقعت مملكتي قشتالة وليون من ناحية، ومملكة أرجون من ناحية أخرى اتفاقية "المرسى Almirza" فيما بينهما (642هـ = 1244م)، وهي تشبه كثيرا اتفاقية سايكس بيكو المشهورة، إذ اتفقا على حدود توسع كل منهما في البلاد الأندلسية التي تتأهب للسقوط ورسم حدود جديدة مبنية على الواقع الجديد وتقسيم الاندلس بينهما.

كان بالأندلس أربعة أمراء من البيت الموحدي على الحكم، ؛ أبو محمد عبد الله في مرسية، وأخوه أبو العلا إدريس في قرطبة، وابن عمهما أبو زيد عبد الرحمن على بلنسية، ثم أخوه أي أخي أبي زيدعبد الله البَيَّاسي على إشبيلية. وكلا هذين الأخيرين سيكون لهما قصة مخزية.

ثار أبو محمد عبد الله على خليفة الموحدين عبد الواحد فخلعه وتلقب بـ "العادل" 621هـ، ثم ما لبث أن ثار عليه ابن عمه عبد الله البياسي الذي لم يجد عونا من الموحدين في ثورته هذه، فما كان منه إلا أن انحاز إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة وتنازل له عن عدد من بلاد الأندلس، ثم قاتل معه المسلمين وقتل منهم بضعة آلاف في أكثر من مدينة مهمة، واستولى فرناندو بسبب هذا التحالف على مجموعة من المدن الحصينة التي تمثل خط الدفاع عن قرطبة، وظلت هذه الحال ثلاث سنوات يتصاعد فيها نفوذه وخطره وخطر النصارى معه حتى مُني بهزيمة شديدة أمام إشبيلية التي كانت في يد أبي العلا إدريس 623هـ، فما لبث أن هام على وجهه فتلقفه أهل قرطبة فقتلوه لما كان من خياناته الكثيرة، بل ذكر ابن عذارى أنه دخل في النصرانية.

لكن الأمور لم تهدأ، فأبو العلا إدريس الذي لم يستطع أن يواجه عبد الله البياسي في الأندلس إلا وهو أمام أسوار مدينته إشبيلية، ثم لم يستطع أن يحرز نصرا على النصارى بعدئذ فأبرم معهم 624هـ هدنة لمدة عام مقابل ثلاثمائة ألف قطعة فضية، هذا الرجل الذي تتفلت من بين يديه الأندلس نادى بنفسه خليفة على المغرب والأندلس وخرج على أخيه العادل وتآمر عليه حتى بلغ مأربه، فقُتِل العادل، وتلقب هو بـ "المأمون" 624هـ. إلا أن الأمر لم يَصفُ له، فلقد بايعت المغرب ابن أخيه يحيى "المعتصم"!!

وهنا، كرر المأمون سيرة الخائنين فذهب إلى فرناندو يجدد معه الهدنة، ويطلب منه قوة عسكرية تنزل معه المغرب وتحارب له، وقبل بشروط فرناندو المهينة التي كان منها: بناء كنيسة للنصارى في مراكش، والتنازل عن عشرة حصون يختارها بنفسه، وإذا أسلم نصراني يُرَدُّ إلى أهله، وإذا تنصر مسلم فلا سبيل لأحد عليه!! ثم إن المأمون جمع جنوده ونزل بهم إلى المغرب وترك الأندلس كلها بلا دفاع فصارت مكشوفة للنصارى. ولم يبق بالأندلس إلا الأمير الرابع الذي ظل بعيدا عن الأحداث أبو زيد عبد الرحمن.

ثار بالأندلس ثلاثة رجال، ثار ابن هود على المأمون، ثم ثار ابن الأحمر على ابن هود، وفي شرق الأندلس ثار أبو جميل زيان، في ظل هذه الأحذاث كانت بلنسية في شرق الأندلس حيث يعيش الإمام سليمان الكلاعي، وهي المنطقة التي كانت تأكلها مملكة أرجون.

مع الاضطراب الحادث بالجزيرة وانهيار سلطان الموحدين ثار في بلنسية وزيرها ومدبر أمرها أبو جميل زيان على واليها والي الموحدين أبو زيد عبد الرحمن الذي يحكمها منذ 620هـ، وكان أبو زيد عبد الرحمن قد هزمه ثائرُ مرسية ابن هود الذي كان طامعا في الاستيلاء على ما بقي من الأندلس. هرب أبو زيد وصارت بلنسية في يد أبي جميل زيان الذي انهزم لمرة أخرى أمام ابن هود؛ حين رأى أبو زيد أن بلنسية قد صارت نزاعا بين أبي جميل وابن هود وأن دولة الموحدين يتواصل انهيارها ذهب لاجئا إلى خايمة الأول (Jaima I) ملك أراجون، فكرر بذلك سيرة أخيه عبد الله البياسي مع فرناندو الثالث!!.

إستشهاد الإمام الكلاعي

وطَّد أبو جميل زيان سلطانه في بلنسية، ولم تنته المنازعات بينه وبين ابن هود، حتى دهمه خايمة الأول يريد أخذ بلنسية قاعدة شرق الأندلس ، قرّرأهل بلنسية وشيخهم أبا الربيع سليمان الكلاعي" المقاومة و الخروج لحرب الأرجونيين.

خرج الإمام سليمان الكلاعي يقود الناس ويحرضهم على الجهاد وهو في السبعين من عمره حتى خرج معه أهل بلنسية (فالينسيا Valencia) يواجهون بإمكاناتهم المحدودة جيش النصارى الضخم، عند أنتيشة على بعد سبعة أميال من حاضرة بلنسية، وكانت موقعة كبيرة كان يحمل فيها الراية ويتقدم جيش المسلمين يحارب معهم و يحرضهم على القتال يتقدم الصفوف زاحفاً إلى العدو وهو ينادي بالمنهزمين: أمن الجنة تفرون! حتى نال فيها الشهادة "مقبلا غير مدبر، ينادي المنهزمين: أعن الجنة تفرون؟!وذلك ضحى يوم الخميس الموفي عشرين لذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة" 634 هجرية .

وفي تلك الموقعة أنشأ ابن الأبَّار قصيدة طويلة يرثي فيها شيخه الكلاعي ومن استشهد معه، جاء فيها:

سَقَى الله أَشْلاءً بِسَفْحِ أَنِيْشـةٍ

سَـوَافِحُ

تَزْجِيْهَا ثِقالُ الغمائـمِ

وما بذَلُوْا إلا نُفُوسَـاً نَفِيْسَـةً

تَحِنُّ إلى الأُخرى

حنينَ الرَّوائِمِ

سَلامٌ عَلَى الدُّنيا إذا لَمْ يَلُحْ بها

مُحيَّا سُلَيْمَانَ

بْنِ مُوْسَى بنِ سَالمِ

يَمَانٍ كَلاَعِيٌّ نَمَاهُ إلى الْعُـلا

تَمَـامٌ حَـوَاهُ

قَبْلَ عَْقدِ التَّمَائِـمِ

مؤلفات الإمام الكلاعي

خلَّـف ابن سالم الكلاعي ما يقارب خمسة وعشرين مؤلفاً في مختلف العلوم والفنون، ولعل أوسعها شهرة كتابه «الاكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفا» وهو كتاب يقع في أربعة مجلدات، يستعرض فيه المؤلف تاريخ ابتداء الإسلام وأطرافاً من سيرة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم والغزوات التي جرت في أيامه وأيام خلفائه الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم.

وللكلاعي من الكتب أيضاً «مصباح الظُّلم» في الحديث، نحا فيه منحى كتاب «الشهاب» للقُضاعي، و«الإعلام بأخبار البخاري الإمام» و«نكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال» بنى فيه الكلام على ما تضمنه كتاب أبي عبيد البكري من الأمثال واضطرار العرب إليها، و«جَنيُّ الرُّطب في سنِّي الخُطب» جمع فيه خطبه في الجُمع والأعياد. ولـه غير ذلك إضافة إلى مجموع رسائله ومجموع شعره.

كان الإمام الكلاعي إمام في العلم، وإمام في الجهاد، حمل راية العلم أخذها بحقها فحَمَّلّتْه راية الجهاد، ثم ألبسته تاج الشهادة، نحسبه كذلك والله حسيبه.

غرورألفونسو وعِزّة يعقوب المنصور الموحدي

0
 غرورألفونسو وعِزّة يعقوب المنصور الموحدي
 غرورألفونسو وعِزّة يعقوب المنصور الموحدي


غرورألفونسو وعِزّة يعقوب المنصور الموحدي

كتب ألفونسو ملك مملكة قشتالة ومقر حكمه مدينة طليطلة بالاندلس، كتب إلى السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي كتابًا جاء فيه مايلي : باسمك اللهم فاطر السموات والأرض؛ أما بعد أيها الأمير، فإنه لا يخفى على كل ذي عقل لازب، ولا ذي لب وذكاء ثاقب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة النصرانية، وأنك من لا يخفى عليه ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل، وإهمال الرعية، واشتمالهم على الراحات، وأنا أسومهم الخسف وأخلي الديار، وأسبي الذاراري، وأمثل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، وقد أمكنتك يد القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفًا، فقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم، ونحن الآن نقاتل عددًا منكم بواحد منا، ولا تقدرون دفاعًا، ولا تستطيعون امتناعًا.

ثم حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك عامًا بعد عام، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، ولا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك.

ثم حكي لي عنك أنك لا تجد سبيلاً للحرب لعلك ما يسوغ لك التقحم فيها، فها أنا أقول لك ما فيه الراحة، وأعتذر عنك، ولك أن توافيني بالعهود والمواثيق والأيمان أن تتوجه بجملة من عندك في المراكب والشواني، وأجوز إليك بجملتي وأبارزك في أعز الأماكن عندك، فإن كانت لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك، وهدية مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحققت إمارة الملتين، والتقدم على الفئتين، والله يسهل الإرادة، ويوفق السعادة بمنه لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.

فلما قرأ السلطان الموحدي يعقوب المنصور الكتاب غضب، وتربد وجهه، وأرغى وأزبد، ثم مزقه وكتب على رقعة منه بقلم.. يفتك الشعور ويفلق الصخور: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37] الجواب ما ترى لا ما تسمع.

وأعاده إليه، واشتد حنق أبي يوسف، وأمر بالتأهب للحرب في الأندلس وجمع جيشه العظيم وعبر البحر إلى الأندلس فسمعت الفرنجة بذلك، فجمعت قاصيهم ودانيهم، وأقبلوا إليه مجدين على قتاله، واثقين بانصرلكثرتهم، فالتقوا، تاسع شعبان، شمالي قرطبة بين قلعة رباح وقلعة الأرك، بمكان يعرف بمرج الحديد، فكانت موقعة الأرك الفاصلة و الرهيبة نسبة لقلعة الأرك و يسميها المسيحيون كذالك معركة قلعة (Alarcos) ويطلقون عليها كارثة الأرك لعظيم مصابهم فيها.

فاقتتلوا قتالاً شديدًا، فانهزمت جيوش الصليبيين أقبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].

ويختلف مؤرخو المسلمون في نتائج المعركة فيخبر المقري في كتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب «وكان عدّة من قتل من الفرنج - فيما قيل - مئة ألف وستّة وأربعين ألفاً، وعدّة الأسارى ثلاث عشر ألفاّ، وعدّة الخيام مائة ألف وستّة وخمسين ألف خيمة، والخيل ثمانين ألفاً، والبغال مائة ألف، والحمير أربع مئة ألف، جاء بها الكفّر لحمل أثقالهم لأنّهم لا إبل لهم، وأمّا الجواهر والأموال فلا تحصى، وبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا ألفنش (ألفونسو) ملك النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء، ولا يركب فرساً ولا دابة، حتى يأخذ بالثأر». أما ابن خلدون فيذكر أن عدد القتلى 30 ألفا ويجعلهم ابن الأثير 146 ألفا و13 ألف أسير.

أعطت نتيجة المعركة مهابة للموحدين في الأندلس وقد حكموا الاندلس حتى فاجعة معركة العقاب التي خسر المسلمون بعدها بقية أراضي الأندلس ما عدا غرناطة واشبيلية ما حولهما.

الفتوحات الاسلامية " معركة المذار"

0
 الفتوحات الاسلامية " معركة  المذار"
 الفتوحات الاسلامية " معركة  المذار"

 الفتوحات الاسلامية " معركة  المذار"

معركة المذار أو وقعة الثني، وهو النهر الذي كانت عليه المعركة والعرب تقول للنهر الثني،  معركة الثني المذار وقعت في شهر صفر سنة 12 للهجرة، الموافق عام 633 للميلاد (12هـ، 633م). معركة وقعت بين المسلمين بقيادة خالد ابن الوليد، رضي الله عنه، وجيش الفرس.

كان المسلمون قد انتصروا على الفرس في موقعة ذات السلاسل، لما وصل خبر انهزام « هرمز » إلى المدائن عاصمة الفرس، أرسل ملكهم « اردشير » جيشاً آخر وأمر عليه قارن بن قريانس. فلما انتهى إلى المذار، انضم إلى الجيش المنهزم ورجعوا ومعهم « قباذ » و « انوشجان » ونزلوا الثنى وهو نهر متفرع من الدجلة فأمدَّه بجيش بقيادة قارن بن قارن بن قريانس، فخرج من المدائن، حتى إذا ما انتهى إلى المذار وبلغته الهزيمة في ذات السلاسل، وانتهت إليه فلول الهاربين، قرروا معاودة الحرب، فعسكروا بالمذار، وجعل النهر وراء ظهره، ووضع السفن فيه استعدادًا للهروب إذا كانت الدائرة عليه .

كان لخالد بن الوليد فُرق للاستطلاع لنقل أخبار العدو التي رصدت تحركات الفرس فعرف مكان نزولهم و أنهم معسكرون في المذار، فأرسل خالد بن الوليد الوليد بن عقبة للخليفة أبي بكر يعلمه بأنه سوف يتحرك للمذار لضرب إمدادات الفرس هناك، ثم اتجه مباشرة للمذار بسرعة خاطفة، وأرسل المثنى بن حارثة كطليعة للجيوش، واقترب الجيشان، وكان تعداد الجيش الفارسي ثمانين ألفًا، في حين أن جيش المسلمين تعداده ثمانية عشر ألفًا .

أرسل خالد المثنى بن حارثة كطليعة للجيوش، واقترب الجيشان، فلما وصل خالد إلى أرض المعركة ووجد أن الفرس قد وضعوا في نهر دجلة سفنًا خاوية أدرك بخبرته العسكرية وذكائه الخارق أن الفزع ملأ قلوب الفرس، و أنهم وضعوا السفن استعدادًا للهروب، عند ذالك أمر جنده بالصبر والثبات في القتال .

خرج القائد الفارسي 'قارن' ـ وكان شجاعًا ـ للمبارزة؛ فخرج له رجلان: خالد بن الوليد وأعرابي من البادية اسمه 'أبيض الركبان معقل بن الأعشى' فسبق أبيض خالدًا، وانقض كالصاعقة على 'قارن' وقتله في الحال، وبعدها مباشرة انقض عاصم بن عمرو على القائد الفارسي الآخر 'الأنوشجان' فقتله، ثم انقض الصحابي الجليل عدي بن حاتم على القائد الثالث 'قباذ' فقتله في الحال! فأصبح الجيش الفارسي بلا قيادة، ولكن واصلوا القتال بغضا للمسلمين .

اضطرب أمر الجيش الفارسي، وعمه الارتباك و الفوضى ، وما لبث جنود الفرس حتى هربوا في كل مكان، وألقوا أنفسهم في النهر وهم عراة، وقتل منهم في أرض المعركة ثلاثون ألفًا غير من غرق في النهر .

كانت معركة المذار معركة عظيمة استقربها الجنوب العراقي في أيدي المسلمين، وفتح المسلمون مدينة الأبلة وسيطروا على ميناء المدينة الدي كان يعتبر من أهم مواني الفرس على الخليج.

دعاء القنوت سُنَّة منسية

0


دعاء القنوت سُنَّة منسية

الدعاء بشكل عام مُستحب في كل الأوقات، وفي جميع الظروف، وليس له شروط سوى الإيقان بالإجابة، وحسن الظن بالله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع صوت عبده، وهو يناجيه، عملا بقوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [سورة غافر] ، وقوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾ [سورة الأعراف].

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) رواه البخاري .

ماهو دعاء القنوت؟

قنت الرجل : أي دعا على عدوه، وقنت : أطال القيام في صلاته ، القنوت: بالتاء هو الدعاء والطاعة ، وهو السكوت ، وهو أيضا طول القيام في الصلاة ، تختص صلاة الوتر دوناً عن غيرها بدعاء القنوت، وهو الدعاء الذي يقال في الركعة الأخيرة من سنة الوتر، وأفضل الدعاء في القنوت ما رواه الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت". رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

وعن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الصبح فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكافرين ملحق . اللهم عذب الكفار أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" رواه عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في شعب الإيمان.

و كما ذكرنا القنوت سنة في الوتر في جميع أيام السنة ، قاله أحمد وغيره، والأفضل أن يكون بعد الركوع ، وإن كان قبل الركوع فلا بأس ، لما روى حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال "كنا نقنت قبل الركوع وبعده" أخرجه ابن ماجه.

القنوت في الصلاة نوعان :

الأول : قنوت النوازل ، ويكون في الصلوات الخمس بعد الرفع من الركوع من الركعة الأخيرة ، وقد ثبت في ذلك نصوص كثيرة منها عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ قَالَ أَنَسٌ فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ ( بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا) " . أخرجه البخاري .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ " متفق عليه واللفظ لمسلم . 

عَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ : " قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ " أخرجه مسلم. ويتبين من هذه الأحاديث أمور مشروعية القنوت في النوازل . قال ابن تيمية : " القنوت مسنون عند النوازل ، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث ، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين ".( مجموع الفتاوى 23/ 108 ).

وقال ابن القيم : " وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة ، وترْكَه عند عدمها ، ولم يكن يخصه بالفجر ، بل كان أكثر قنوته فيها " . ( زاد المعاد 1/273 ) . وهو مشروع إذا نزلت بالمسلمين نازلة عامة ، فيدعو المسلمون في صلواتهم ويبتهلون إلى ربهم بما يناسب ما نزل بهم ، حتى يكشف الله الضر عنهم ويرفع البلاء ، فيتركون القنوت .

قال بعض الفقهاء : إن قنوت النوازل إنما يفعله إمام المسلمين ، أما عامة المسلمين فلا ، قال ابن تيمية : " ينبغي للمأموم أن يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد ؛ فإذا قنت قنت معه ، وإن ترك القنوت لم يقنت ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به ) وقال : ( لا تختلفوا على أئمتكم ) وثبت عنه في الصحيح أنه قال : ( يصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم ) " ( مجموع الفتاوى 23/115ـ116 ) .

لثاني : قنوت الوتر ، فيقنت المصلي في صلاة الوتر - إن شاء قبل الركوع وإن شاء بعده - بالدعاء المعروف ( اللهم اهدني فيمن هديت ... ) و ممّا سلف ذكره.

فدعاء القنوت واجب على كل مسلم في هذه الايام العصيبة التي تمرّ بها الا مة الاسلامية من محن و فتن حتّى يرفع الله البلاء ، حفظ الله أوطاننا من كل شر و بلاء .

أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي

0
أهمية الأوقاف في المجتمع الإسلامي
 أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي


 أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي

مما لا شك فيه أن الأوقاف  الاسلامية تعتبر خاصية من خصائص المجتمع الإسلامي ومن أهمّ نظمه في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة بشكل فعال في الحياة العلمية والعملية لعامّة المجتمع.

فلذلك اهتم بها العلماء والفقهاء ووضعوا لها الأحكام و الضوابط التي تضبط معاملاتها بهدف المحافظة على أموالها وتنميتها واستمرارية تقديم منافعها إلى المستفيدين ، ووضع الضوابط و الأحكام لحماية هذه الأوقاف وحفظها من طمع الطامعين ، فلذلك نمت أحكام الوقف ورسخت قواعده، وصارت متكاملة الجوانب.

للأوقاف دوراً وعملاً مميزاً وعظيم في بناء قاعدة التكافل الإجتماعي التي تعتبرركيزة هامّة في تنمية المجتمع الإسلامي المهتدي بالقرآن الكريم والسنة النبوية ،فقد حثَّ و شجّع القرآن الكريم في آيات كثيرة على فعل الخير، والإحسان، وهذا ما يعنيه ويهدف إليه الوقف، ولقد اتفق جمهور علماء السلف على جواز الوقف وصحته بناء على أدلة من القرآن الكريم في آيات عدة علي فعل الخير والبر والإحسان وهو ما يرمي إليه الوقف ومن الآيات الكريمة الدالة على استحسان الوقف ما يلي:

- { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }[الحج، 77].

- { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }[آل عمران، 92].

- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة }[المائدة، 35].

- { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }[البقرة، 280].

هذه الآيات العظيمة وغيرها من القرآن الكريم أكبر دليـل على مشروعية الأوقاف في الحياة الإسلامية وأهمية هذه المؤسسة ذات النفع العام والخاص بين فئات الأمة والتي عرفت بالأحباس أو الأوقاف ثم وزارة الأوقاف في الوقت الحاضر.

وفي الحديث (( أنه صلى الله عليه وسلم قال لبني النجار في الحائط الذي بنى مسجده فيه: يا بني النجار هل تأمنوني بحائطكم هذا فقالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله )) رواه البخاري بهامش فتح الباري ج5، ص263.

الدور الاجتماعي للأوقاف في الحضارة الإسلامية


تتمثَّل أهمية الوقف في الجانب الاجتماعي في إنفاق وتمويل المشروعات الخيرية ذات الطابع الإنساني و النفع العام، فقد ساهمت الأوقاف باعتبارها صدقةً جاريةً في تنمية الرعاية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فلم يَخْلُ بلد إسلامي في عصر من عصور الإسلام، من إنجاز مشاريع لكفالة المُعْوِزين والمحتاجين، فكانت المبادرات الجماعية والفردية من ميسوري الناس، المبادرات الرسمية للخلفاء والولاة والأُمراء.

و كمثال لدور مؤسسة الأوقاف في الشأن الإجتماعي هناك الأوقاف الخاصة بقضاء ديون الغُرماء المُعسرين؛ مثل: أوقاف السلطان "أبو عنان المريني"؛ حيث التزَم بأداء ديون المعسرين المسجونين من ماله الخاص بسائر الجهات المغربية، وإطلاق سراحهم، وقضاء ديون مَن توفِّي وعليه ديْن من الديون من بيت المال.

الأوقاف الخاصة بتوفير المياه، وحفْر الآبار، والعيون وتحبيسها، وإقامة السقايات المُسبلة، ومدِّ القنوات لنقْل المياه من منابعها إلى أماكن استعمالها، وتجهيز المدن بالمياه، ودور الوضوء والحمامات وغيرها، وقد ذكَر الشيخ محمد المكي الناصري أن الحمامات يرجع أكبر عددٍ منها في المدن المغربية إلى الأحباس؛ لأن المُحبسين كانوا يَعتبرونها مراكز للطهارة الإسلامية، فكانت أَكْرِيَتُها منخفضة، وأُجْرة الاستحمام بها رخيصةً.

و كان الوقف يُخصَّص لإقامة دور للشيوخ العجَزة، ولتعريس المُستضعفين من الرجال والنساء المكفوفين، ولمن يريد إقامة ولائم الأعراس من المتوسطين والضِّعاف ، و إهتم الوقف الاسلامي بالنساء و المرضعات منهنّ فقد كان في عهد السلطان "صلاح الدين الأيوبي" خُصِّص وقفًا لإمداد الأُمهات بالحليب اللازم لأطفالهن، وجُعِل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاب يَسيل منه الحليب، وميزاب آخر يسيل منه الماء المذاب بالسكر، فكانت تأتي الأمهات يومين من كلِّ أسبوع، يأخُذْنَ لأطفالهنَّ ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

كما ساهَمت الأوقاف الاسلامية في تقديم خد مات اجتماعية كتغسيل فقراء المسلمين، وتكفينهم، ودفْنهم، وصُنْع التوابيت لنقْل الموتى، ففي العصر المملوكي خصَّص سلاطين المماليك أوقافا لإنشاء المصليات وتجديدها؛ لتغسيل الأموات والصلاة عليهم، و من أشهر هذه الأوقاف: "وقف الطرحاء"، الذي أنشأه السلطان الظاهر بيبرس.

الوقف والرعاية الصحية


اهتمَّ الوقف الإسلامي برعاية المسلم إجتماعيا و صحيا ، وخصَّص أغنياء المسلمين الأحباس الواسعة لإنشاء المستشفيات، وكليات الطب التعليمية، وتطوير الطب والصيدلة والعلوم المرتبطة بها، والإنفاق على تأليف كُتب الصيدلة والطب؛ ككتاب "الكليات في الطب"؛ لابن رشد، كما أوقَفوا الأوقاف الكاملة للمجمعات الصحية التي عُرِفت باسم: "دُور الشفاء"، و"دُور العافية"، وبناء مواقع طبية متكاملة الخِدمات والمرافق؛ لتقوم بمهامِّها على أحسن وجهٍ .

كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو البيمارستان الذي أمر ببنائه هارون الرشيد (170هـ - 193هـ) في بغداد، ومن المستشفيات التي أقيمت ببغداد مستشفى السيدة أم الخليفة المقتدر بالله، ويسمى مستشفى السيدة، افتتح في اليوم الأول من محرم 203هـ، كما أقام المقتدر مستشفى آخر ببغداد، وسمي المستشفى المقتدري، وتعددت المستشفيات الكبيرة وانتشرت حتى كان ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع خمسة مستشفيات .

وأنشأ الملك قلاوون بمصرمستشفى كبير ، وجعله وقفا لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة: "يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لا يحصى"، وكثرت المستشفيات والمنشآت الصحية بمدن الأندلس، ذكر بعض الباحثين أن مدينة قرطبة كان بها خمسون مستشفى، وقفها وأنفق عليها الخلفاء والأمراء والأغنياء .

وفي المغرب الأقصى، أقيمت مستشفيات كبيرة في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، من أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس أسسه السلطان يوسف بن يعقوب المريني ووقف عليه عقارات كثيرة برسم النفقة عليه والعناية بالمرضى.

ومن طريف ما ذكره المؤرخون أن جزءا من أوقافه كان مخصصا لعلاج طير اللقلاق، وجزءا للموسيقيين الذين يزورونه مرة كل أسبوع للترفيه عن المرضى، ويذكر المؤرخون مستشفى آخر بمدينة مراكش أنشأه المنصور الموحدي .

وكان للأوقاف أثر حميد على النهوض بعلوم الطب و تدريسه ، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يكن يقتصر على تقديم العلاج، بل يتعدى ذلك إلى تدريس الطب، وكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.

الأوقاف وبناء المساجد

ارتبَط نظام الوقف الإسلامي بإنشاء المساجد وتعميرها، ونجد أن أول وقْفٍ في الإسلام هو المسجد الذي بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخوله المدينة، وهو مسجد قُباء، الذي بدأ فيه المسلمون تعلُّم القرآن، وتعلُّم الكتابة والقراءة؛ لذلك كان الأئمة والفقهاء - على اختلافهم - لا يعارضون وقف المساجد، بل إن الإمام أبا حنيفة كان لا يرى وقفًا لازمًا إلا ما كان مسجدًا.

ولم تقتصر أحباس المسلمين على تقديم الأرض و تمويل بناء المساجد، بل شَمِلت كلَّ ما يتعلق بصيانتها، ودفْع رواتب القائمين على شؤونها، والتشجيع على الإبداع في صُنع أجمل الطُّرز العمرانية، والسجاجيد للصلاة، و تجهيزه بالقناديل، والثُّريَّات الفائقة الجودة التي تُعلَّق في المساجد ؛ لأن المسجد كان هو المدرسة المفتوحة لكافة المسلمين، وتكفَّل المسجد على مرِّ التاريخ الإسلامي بإعداد نماذج إنسانية عالية في الإيمان، والعلم، والآداب والسلوك الحميدة، وما تزال مؤسسة الأوقاف الإسلامية تُساهم في تقوية الشعور الديني و الحفاظ على الهويّة ، عن طريق تشجيع أوقاف المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية و إمدادها بكل الوسائل من مصاحف وكوادربشرية مُؤهلة للدعوة و تنوير المجتمع .

قدمت الحضارة الإسلامية للإنسانية ما لم تقدمه حضارة أخرى، من إبداع وابتكار في مجالات الحياة المختلفة، بما يحقق السعادة الكبرى لأبناء المجتمع الواحد، وذلك من خلال التكافل والتكامل بين أفراده، وقد كانت الأوقاف الإسلامية واحدة من تلك الإبداعات الفريدة في تاريخ الإنسانية كلها.

و الرسول صلى الله عليه وسلم أوَّل من أوقف في الإسلام، ثم تبعه الصحابة -غنيُّهم وفقيرهم- في هذا الأمر المهمِّ؛ وما فعلوا ذلك إلاَّ تحقيقًا للغاية التي من أجلها وُجِدَ الوقف؛ ألا وهي ابتغاء وجه الله ورضوانه ، ثم سارت الأُمَّة الإسلاميَّة على درب هؤلاء العظام فكانت الاوقاف على مرِّ العصور من أهم ركائز التنمية الاجتماعية و الحفاظ على الهوية الاسلامية .

دور الاسلام في المحافظة على البيئة

0
دور الاسلام في المحافظة على البيئة
دور الاسلام في المحافظة على البيئة


دور الاسلام في المحافظة على البيئة

تعتبر البيئة الحاضنة الرئيسية التي تحتضن الإنسان، والنبات، والحيوان، ، ومن هنا فهي تمثل بشكل أو بآخر رأس مال هذه الحياة، جعل الإسلام المحافظة على البيئة جزءاً من الإيمان ، مما يدل على الاهتمام الكبير الذي يوليه الدّين الاسلامي لحماية البيئة من أي شيء يؤدي إلى تلوثها أو تدهورها ، وقد أثبتت الشريعة الإسلامية قدرتها على بناء الإنسان و تنوير عقله للحفاظ على المجتمع السليم في البيئة السليمة ، فربطت الإيمان بالنظافة و حماية البيئة في حماية الغرس و الحيوان و المياه وطريقة التعامل معها.

المحافظة على الزرع و المياه

حافظ الإسلام على البيئة بالأمر بالمحافظة عليها والنهي عن الإضرار بها، ، ومن الأمور التي نهى الله عنها لحفظ البيئة، الإفساد في الأرض عموماً، و الذي يتدبر الآيات القرآنية كما في قوله تعالى " وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا" [الأعراف:56]، و قوله تعالى: "والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون" إلى قوله تعالى: \"وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) من الآية 5 حتى الآية 14 من سورة النحل ونهى عن إهلاك الحرث والنسل بذم من فعل ذلك، كما في قوله تعالى وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205].

يدرك الانسان أن الكون مسخر بأمر الله له، فيجب عليه أن يحافظ على نظافته ونظامه المتناهي في الدقّة فسبحان الله بديع السموات و الارض؛ اعتنى الإسلام بالبيئة من كل نواحيها، فمن الناحية الزراعية أمر بالحرص على الزرع ولو قامت القيامة فقال صلى الله عليه وسلم: " إذا قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" . رواه أحمد

و أمر الله بالزراعة و زرع الاشجار و عمارة الارض و الاحسان لمخلوقاته من طير و أنعام وحيوانات أليفة لدورها في الحفاظ على البيئة، وقد أوصى الرسول الكريم صلّى الله عليه و سلّم ودعا إلى الزرع وإثبات الأجر بفعله، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة " . وروى البخاري ومسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في كل ذات كبد رطبة أجر" .

كما أمر الإسلام بالحفاظ على المياه و إرشاد إستهلاكها ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه ".

الحفاظ على الحيوان 

وأمر الإسلام بالمحفاظة  على مختلف أنواع الكائنات الحية، فكان الرفق بالحيوان ومعاقبة من كان سبباً في تعذيبه، كما في الحديث الشريف " دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلاً" . رواه مسلم .

وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لعن الله من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً"، يعني: لمجرد تعلم الرماية أو اللهو،

المحافظة على الطرق

وأمر الإسلام بنظافة الطرق والحفاظ عليها من كل أذى، وجعل ذلك من شعب الإيمان، ففي الحديث " الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" رواه لبخاري ومسلم عن أبي هريرة ، و في حذيث آخر عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أماط أذى من طريق المسلمين، كتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة" . رواه الطبراني في المعجم، و البخاري في الأدب المفرد.

وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" بينما رجل يمشي في الطريق إذ وجد غصن شوك، فأخره فشكر الله له فغفر له ".

وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم على حماية البيئة حتّى في الحرب ، فمن وصاياه التي أوصى بها جيشه في غزوة مؤتة وهو يتأهب للرحيل: "لا تقتلوا امرأة، ولا صغيرًا رضيعًا، ولا كبيرًا فانيًا، ولا تحرقوا نخلاً، ولا تقلعن شجرًا، لا تهدموا بيوتًا" .

فالمحافظة على البيئة مسؤولية الجميع لأن الضرريعُمُّ الجميع إنسانا ، نباتا ، وحيوان والأذى يتأثر به الجميع فقضية المحافظة على البيئة تتعلق بمستقبل البشرية على هذه الأرض .