ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية

0
ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية
ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية


ابن إسحاق مؤسس فقه السيرة النبوية

من هو الإمام ابن إسحاق ؟

ابن إسحاق وهو الإمام أبو بكر محمد بن اسحاق بن يسار بن خيار المدني. كان مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب القرشي، ولد في المدينة سنة 85 هـ/703م، وبها نشأ، وكان فتى جميلا وقرأ على علمائها ومحدثيها، وكان جده يسار من سبي قرية عين التمر حين أفتتحها المسلمون في خلافة أبو بكر الصديق، سنة 12 هـ، وقد وجده خالد بن الوليد في كنيسة عين التمر من بين الغلمان الذين كانوا رهنا في يد كسرى فأخذه خالد إلى المدينة.

علم الإمام ابن إسحاق

جالس الإمام ابن إسحاق رحمه الله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم و أخد عنهم ، وطاف البلاد، وسمع من جمع كبير في مصر، والحجاز والعراق، والري وما بينها، ومنهم: أبوه، وعمه موسى بن يسار، وأبان بن عثمان، والأعرج ومحمد بن إبراهيم التيمي، ومكحول، ونافع العمري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ومحمد بن المنكدر، وطاوس بن كيسان رحمهم الله.

وحدَّث عنه شيخه يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري -وهما من التابعين- وشعبة والثوري، والحمادان، وأبو عوانه، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وخلقٌ كثير. قال محمد مسلم بن شهاب الزهري، وقد سئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس -يعني محمد بن إسحاق. وروى حرملة عن الشافعي قال: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق". وقال شعبة: "محمد بن إسحق أمير المؤمنين في الحديث". وجاء عن البخاري قوله: "محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون عنده ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد". قال ابن سعد في الطبقات: "كان محمد بن إسحق أول من جمع مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وألَّفها، وكان يروي عن عاصم ابن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهم ويروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وكانت امرأة هشام بن عروة، فقال: هو كان يدخل على امرأتي ؟ كأنه أنكر ذلك".

مؤسس فقه السيرة النبوية

كان ابن إسحاق ومازال إمام المغازي والسير، وهو حافظ علامة، أحد من دار عليهم الحديث والإسناد، وقد أثنى عليه في علم المغازي والسير، غير واحد من شيوخه وأقرانه والأئمة عبر العصور، ويعتبر الؤسس الأول لعلم السيرة النبويّة العطِرَة ، فهو أول مؤرخ عربي كتب سيرة النبي محمد صلَّى الله عليه وسلّم وأطلق تسمية "سيرة رسول الله" على كتابه.

وعند علماء المسلمين إجماع على أن أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق وقد اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه، إلا ما روي عن مالك، وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحه، وقد تكلم فيه مالك وهشام بن عروة، واتُهم بغير نوع من البدع، ودافع عنه عدد من العلماء بدءًا بالبخاري. قال البخاري: "والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين أمره، وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك، أخرج إلي كتب ابن إسحق عن أبيه في المغازي وغيرها فانتخبت منه كثيرًا.

قضى الإمام ابن إسحاق معظم حياته في المدينة وبدأ بجمع الروايات المختلفة من مختلف المصادر الشفهية التي كانت متوفرة آنذاك ولم يكن اهتمامه الرئيسي منصبا على تدقيق صحة الروايات وإنما كان غرضه جمع كل مايمكن جمعه من معلومات عن الرسول محمد. وفي عام 115 هـ، الموافق 733 م، بدأ بالتنقل من المدينة إلى الإسكندرية ثم إلى الكوفة والحيرة ليستقر في بغداد حيث وفر له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور كل الدعم الممكن لأن يكتب عن تاريخ الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: "وهو أول من دوَّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا، ولكنه ليس بالمجود كما ينبغي". وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: "إمام المغازي، ولهذا علق عنه البخاري في صحيحه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره، وأخرج له غيرهما".

لقد بلغ ابن إسحاق في تصنيفه الذروة في علم السيرة من حيث الحشد والجمع والتنقير ثم من حيث المنهج إذ بدأ بالمبعث وما قبله، ثم بالمغازي واحدة تلو أخرى، ولهذا فقد انتشر مصنفه في عصره، وما تلاه في شرق الأرض وغربها.

درسه الدارسون من نواح عديدة قديمًا وحديثًا، وبقيت سيرته عبر العصور أم المصنفات في هذا الباب، وإليها المرجع على الدوام، وإن كانت هنا انتقادات وملاحظات، ولقيت من العناية والرعاية مالم يلقه كتاب آخر في السيرة، بل أستطيع أن أقول: "إن ما كتب من كتب السيرة بعده كان هالة حول هذا الكتاب". فابن سعد تلميذ الواقدي الذي جعل كتاب ابن إسحاق موازيًا لكتاب شيخه الواقدي، ومرورًا بالأعلام بعد ابن سعد عبر القرون وإلى يومنا هذا، مما يؤكد كلمة ابن عدي أن هذه الفضيلة سبق بها ابن إسحاق، ولم يبلغ من بعده مبلغه.

تهذيب ابن هشام لسيرة ابن إسحاق

ومن أبرز من عُني بهذا الكتاب حتى نسب إليه هو عبد الملك بن هشام المتوفى 218هـ؛ إذ حاول تهذيب الكتاب وتشذيبه، أي أنه أرد أن يُقوم ما يراه في الكتاب من عوج ومن خلال كلامه نتبين المآخذ على ابن إسحاق. قال ابن هشام: "وتارك بعض ما ذكره ابن إسحق في هذا الكتاب مما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له ولا شاهدًا عليه لما ذكرت من الاختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من المعرفة بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره.

كتابه المغازي

ألف ابن إسحاق كتابه المغازي من أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر، ومن المؤسف أن هذا الكتاب لم يصل إلينا، فقد فُقِدَ فيما فُقِدَ من تراثنا العلمي الزاخر، ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظا بما رواه عنه ابن هشام في سيرته عن طريق شيخه البكائي الذي كان من أشهر تلامذة ابن إسحاق.

وفاة ابن إسحاق

توفي محمد بن اسحاق في بغداد سنة 151 هـ/ 768م، ودفن في مقبرة الخيزران.

أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

0
أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني
أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الاغاني

أبو الفرج الأصفهاني (284هـ/897م - 14 ذو الحجة 356 هـ/20 نوفمبر 967م)، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي ، ينتهي نسبه الى مروان بن محمد آخر خلفاء الامويين، وأُمّه شيعية من آل ثوابة، كان أديبا عربيا، ومن الأعلام في معرفة التاريخ والأنساب والسير والآثار واللغة والمغازي. وله معارف أُخر في علم الجوارح والبيطرة والفلك والأشربة. ولأبي الفرج شعر قليل، جيّدُه في الهجاء، فقد كان هجّاءً خبيث اللسان، يتقيه الناس. وكان، على تشيّعه الظاهر، يراسل الأمويين في الأندلس، وحصل له فيها مصنفات لم تنته إلينا، فأجزلوا له العطايا سرّاً. ولد في أصبهان في خلافة المعتضد بالله ابي العباس ، ونشأ وتوفي في بغداد.

مولده ونشأته وعلمه

ولد في مدينة أصبهان عام 284 هـ الموافق 897م، ومن هنا لحقته النسبة إلى هذه المدينة، مع أنه لم ينشأ بها، وإنما نشأ في مدينة بغداد وجعلها موطنا له، حتى إن داره التي كان يسكنها ببغداد معروفة، ونص على أنها واقعة على نهر دجلة في المكان المتوسط بين درب سليمان ودرب دجلة، وهي ملاصقة لدار الوزير أبي الفتح البريدي.

لقد نشأ أبو الفرج في بغداد بعد تركه أصفهان وأخذ العلم عن أعلامها، وكانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم والعلماء ومثابة الأدب والأدباء ومهوى أفئدة الذين يرغبون في الالمام بالثقافة أو يودون التخصص في فروعها.

وروى عن علماء كثيرين يطول تعدادهم، وسمع من جماعة لا يحصون ومنهم ابن دريد إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، والفضل بن الحباب الجمحي، والأخفش العالم النحوي الكبير، والأنباري، والطبري، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وقدامة بن جعفر وآخرون .

وقد أخذ أبو الفرج نفسه بالجد في طلب العلم فنبغ وتفوق، وكان له من توقد ذكائه وسرعة حفظه وشغفه بالمعرفة ما مكن له من ناحية التفوق وذلل له من شماس النبوغ وجعله ينهض بتأليف كتاب الأغاني، ولما بلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألف كتابه مقاتل الطالبيين.

روى عن علماء كثيرين يطول تعدادهم، وسمع من جماعة لا يحصون ومنهم ابن دريد امام عصره في اللغة والأدب والشعر، والفضل بن الحباب الجمحي الراوية، والاخفش العالم النحوي الكبير، وابن الانباري، والطبري، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وجعفر بن قدامة احد مشايخ الكتاب وعلمائهم.

وقال عنه ابن خلكان: «كان من اعيان ادبائها (بغداد) وأفراد مصنفيها، روى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالماً بأيام الناس والانساب والسير».

كان أبو الفرج ذا شخصية ثقافية متعددة الجوانب كثيرة المعارف. ويكفينا للتعريف بشخصيته الثقافية هذه الشهادة التالية التي منحها له معاصره : القاضي التنوخي الذي يقول فيه : «ومن الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنه كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والحديث المسند والنسب، ما لم أر قط من يحفظ مثله! وكان شديد الاختصاص بهذه الأشياء، ويحفظ دون ما يحفظ منها علوما أخر، منها : اللغة، والنحو، والخرافات، والسير، والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح والبيطرة ونتفا من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك».

وقال ياقوت في معجم الادباء: «العلامة النسابة الاخباري الحفظة، الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراسة، لا اعلم لأحد احسن من تصانيفه في فنها وحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه، وكان مع ذلك شاعراً مجيداً».

وقال ابن النديم في كتاب الفهرست «كان شاعراً مصنفاً ادبياً، وله رواية يسيرة، واكثر تعويله كان في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط او غيرها من الاصول الجياد».

قال الذهبي: صاحب الأغاني العلامة الأخباري أبو الفرج، كان بحرا في نقل الآداب، وكان بصيرا بالأنساب وأيام العرب، جيد الشعر. والعجب أنه أموي شيعي! وكان وسخا زريا، وكانوا يتقون هجاءه.

قال ابن خلدون: وقد ألف القاضي أبو الفرج الاصبهاني كتابه في الاغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الاحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها الاديب ويقف عندها وأنى له به.

كانت لابي الفرج مكانته الاجتماعية العالية في منتديات بغداد الأدبية ومجالسها العلمية ، بسبب الحظوة الكبيرة التي نالها من ركن الدولة البويهي الذي صيره كاتبا له . وكانت مثل هذه الوظيفة سببا وجيها لرفع مكان أبي الفرج في الوسط الاجتماعي والسياسي للدولة العباسية .

ممن تأثّر بهم ابا الفرج الاصفهاني الى حد بعيد اسحاق الموصلي فهو يقول: «ان موضعه في العلم، ومكانه في الادب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن.. اشهر من ان يدل عليه فيها وصف. اما الغناء فكان اصغر علومه، وأدنى ما يوسم به، وان كان الغالب عليه، وعلى ما كان يحسنه: فإنه كان له في سائر ادواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير، فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، والحب للناس طريقة فأوضحها، وسهل عليهم سبيله وانارها، فهو امام اهل صناعته جميعاً، ورأسهم ومعلمهم. يعرف ذلك من الخاص ومن العام. ويشهد به الموافق والمفارق وهو الذي صحح اجناس الغناء وطرائقه، وميزه تميزا لم يقدر عليه احد قبله ولا تعلق به احد بعده».

و كذلك تأثّر بابن المعتز الخليفة الشاعر، اذ كانت له آراء جريئة في الفن الشعري والغناء فنقل عن آراء طريفة، واخبارا طيبة وروى احكامه النقدية في الغناء والمغنين وعلق على بعض اقواله بقوله: «هذا كلام العقلاء وذوي الفضل في مثله، لا كلام الثقلاء وذوي الجهالة».

واتصل ابو الفرج الاصفهاني بالوزير المهلبي وزير معز الدولة البويهي. ويقول الثعالبي في «يتيمة الدهر» ان ابا الفرج كان منقطعاً الى المهلبي الوزير كثير المدح مختصاً به».

وكان المهلبي يختاره في كل شيء مفرح وكانت صحبته له قبل الوزارة وبعدها، وظل هكذا الى ان فرق بينهما الموت. ومات المهلبي مغضوباً عليه من معز الدولة عام 352 هجرياً ولعل هذا هو السبب الذي منع ابا الفرج الاصفهاني عن رثائه.

مؤلفاته 

وللأصفهاني مجموعة كبيرة من المؤلفات نذكر منها كتاب «الاغاني» وكتاب «مجرد الاغاني»، وكتاب «التعديل والانتصاف في اخبار القبائل وانسابها»، وكتاب «مقاتل الطالبيين»، وكتاب «اخبار القيان»، وكتاب «الاماء الشواعر»، وكتاب «المماليك الشعراء»، ووكتاب «ادب السماع»، وكتاب «اخبار الطفيليين»، وكتاب «مجموع الاخبار والآثار»، وكتاب «الخمارين والخمارات»، وكتاب «الفرق والمعيار في الاوغاد والاحرار»، وهي رسالة كتبها في هارون بن المنجم، وكتاب «دعوة النجار»، وكتاب «جمهرة النسب»، وكتاب «نسب بني تغلب»، وكتاب «الغلمان المغنيين»، وغيرها...

وله فضلاً عن ذلك مؤلفات اخرى كان يرسلها الى المسؤولين على بلاد المغرب من بني امية، فكانوا يحسنون جائزته، ولم يعد منها الى الشرق الا القليل.

وللأصفهاني طائفة من الاشعار، وشعره جيد الا انه في الهجاء اجود، وان كان في غيره متأخر. وكان الناس في ذلك العهد يحذرون لسانه، ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومؤاكلته ومشاربته على كل صعب من امره، لأنه كان حاد الطبع غليظ القول: زد على ذلك ان لم يكن يهتم بمظهره او يعتني بملبسه، ولم يكن يخلع ملابسه الا بعد ان تتمزق ويبليها الزمن، ولم يكن يغسلها الا قليلاً! الا ان كتاب «الاغاني» يعد اهم الاعمال الادبية التي قام بها ابو الفرج.

يعد هذا الكتاب من كتب فن الغناء والموسيقى في العصر العباسي. حيث ألف الكثير وجاء أبو الفرج الأصفهاني ليأخذ كل ما في تلك الكتب من ميزات ومحاسن وليضيف إليها كل ما لديه من إمكانات ومقدرة فنية وعلم بهذا الفن الذي ارتفع في زمانه حتى وصل الذرى.

والقارئ إذا كان له إلمام بالموسيقى الشرقية وفن الغناء العربي يدرك مقدار تعمق أبي الفرج بهذا الفن. ولكنه بطبيعته الموسوعية، وتمثله معارف عصره كلها أراد أن يكون كتابه غاية ما ألف في مضماره وأعلاه، فما أتى بصوت مغني حتى رجع إلى قائل الشعر، وتوقف عند أخباره بعد ذكر اسمه ونسبه، فلا يترك شاردة ولا واردة إلا أتى بها.

ولم يكتف أبو الفرج بالصوت المغنى ولا القصيدة التي غنيت منها أبيات، وإنما رجع إلى كل ما قاله الشاعر أو إلى أكثره مع إيراد الأخبار المتعلقة بذلك الشاعر وعلاقته بعصره وصلاته بالناس، ولا سيما الطبقة العليا، وعلى وجه الخصوص الخلفاء والأمراء والوزراء.

وكتاب الأغاني والذي جاء ضمن خمس وعشرين جزءاً هو بحد ذاته تاريخ فن الغناء العربي، ما من مغن إلا وأفرد له أبو الفرج حيّزاً يخصه ويتحدث عنه وعن أخباره وفنه متوسعاً في ذلك ما أمكنه، لا يألوا جهداً في هذا المجال، ولا يقصر. وقد حاول أبو الفرج السير على طريقة معاصره في إسناد الأخبار فجاء بسلسلة الرواة الذين أوصلوا الخبر إليه أخيراً، ولم ينس أن يذكر الروايات كلها، وكأنها أراد بذلك أن يوثق كتابه. ولقد حوى الكتاب على الكثير من الأخبار المكذوبة ورد عليه الكثير من العلماء والفقهاء ومنهم العلامة الشاعر وليد الأعظمي في كتابهِ السيف اليماني في نحر الأصفهاني، وبين زيف أكاذيبه وبطلان أدعاءه، ويدرس كتاب الأغاني في كثير من الدول العربية كمصدر من مصادر التراث وهو يحوي هذه القصص الكاذبة والخرافية عن الخلفاء العرب والمسلمين.

وفاته

أُصيب أبو الفرج بالفالج آخر حياته، وقيل أنه خلّط قبل وفاته. توفي أبو الفرج في الرابع عشر من ذي الحجة سنة 356 هـ الموافق 21 نوفمبر عام 967 م في بغداد.

فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق

0
فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق
فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق 

فتح الاندلس : طارق بن زياد و الشيخ الصالح وحلم الطاغية لُذريق


سجل التاريخ اسم طارق بن زياد في أهم صفحاته نظراً للإنجاز العظيم الذي قام به حين فتح الأندلس مقيماً في ذلك دولة للمسلمين في بلاد الأندلس و التي تعرف اليوم باسبانيا و البرتغال حيث ظلت تلك الدولة قائمة لمدة ثمانية قرون ، كان طارق بن زياد قائدا ملهما شجاعا دخل الاندلس على رأس جيش تعداده اثني عشر ألف مقاتل واجهوا جيش لُذريق المكوّن من مائة و عشرون ألف مقاتل ، سطَّرَ طارق و جيشه بطولات ناذرة في معركة وادي بَرْبَاط، وتُسَمِّيها بعض المصادر أيضًا معركة وادي لُكَّة فكان النصر حليف المسلمين ففتح طارق الاندلس .

ومن القصص العجيبة قبل هذه المعركة ، أنَّ ملك الاسبان لُذريق و كان جبَّاراً رأى في منامه أنَّهُ راكب على فيل وأنَّ أمامه قوم ينقرون الطبول و في الصباح جمع الرهبان و القساوِسة و حكى لهم ما رأى في المنام فقالوا له جميعا: أبشر أيُّها الملك بالنصر، فدقُّ الطبول نصر و ركوب الفيل نصرُُ و إستعد للإحتفال به ، إلاّ أنه لم يقتنع فكاتب طارق بن زياد يطلب منه إرسال عالم له ليفسِّر له منامه ، فجمع طارق قواده وكان بينهم عالم مجاهد عُرف بالصلاح و الصيام إسمه محمد بن القاسم وكان شيخا طاعنا في السن ، فلمّا سمع ماجاء في كتاب الطاغية لُذريق و طلبه لمن يفسٍّرُ حلمه تطوّع ؛ فقال طارق إن لُذريق طاغية غاذر و أخاف أن يغدر بك و يقتلك بعد تفسير حلمه ! فقال الشيخ الصالح محمد بن القاسم : أيها القائد إنٍي رأيتُ في منام قبل صلاة الفجر رسول الله صلَّى الله عليه و سلّم فقال لي:" يا إبن القاسم إن أصبح الصباح فأغتسل و توضأ لأنك سَتَفطرُعندنا الليلة " و كان شهرمضان .

فودّعه طارق ، فدهب مع رسول الملك و دخل عليه فقال له الشيخ العالم إبن القاسم ماذا رأيت ؟

فقال لُذريق : إنِّي رأيتُ في منامي أنَّني راكب على فيل وأنَّ أمامي قوم ينقرون الطبول.

فقال الشيخ العالم إبن القاسم :أبشر بالهزيمة يا عدو الله .

قال لُذريق : كيف و قد فسّرها قومي بالنصر في المعركة !!!

قال الشيخ العالم إبن القاسم : سأفسِّرُها لك من كتاب الله من القرآن الكريم ، فأمَّا ركوبك ا لفيل فيقولُ الله عزَّ وجل في كتابه العزيز في سورة الفيل : " بسم الله الرحمن الرحيم ، ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ، ترْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ، صدق الله العظيم " .

فقال له لُذريق : فبماذا تفسِّرُ نقر الطبول ؟

قال الشيخ العالم إبن القاسم : وأمّا نقر الطبول فقال تعالى في سورة المدثر :" فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير" ، فأنا أُ بشِّرك بالهزيمة من كتاب الله يا عدو الله .

فثار الطاغية رذريقو و أمر بقتل العالم الصالح محمد بن القاسم و بات ليلته شهيداً مع الشهداء والصدِّيقين كما أخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فبدأت معركة وادي بَرْبَاط -أو وادي لكة الغير المتكافئة ظاهريًّا، والمحسومة بالمنطق الرباني، بدأت في شهر الصيام والقرآن، الشهر الذي ارتبط اسمه بالمعارك والفتوحات والانتصارات، وعلى مدى ثمانية أيام متصلة دارت رحى الحرب، وبدأ القتال الضاري الشرس بين المسلمين والنصارى، أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون؛ {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

لقد قاتل الجيش القوطي قتالاً شديدًا يُعَبِّر عن شدَّة بأس وقوَّة شكيمة؛ ولكن هيهات أن تصمد تلك القوَّة أمام صلابة الإيمان وقوة العقيدة التي يتحلَّى بها الجيش المسلم؛ واثقًا بربه متيقِّنًا النصر! ويصف ابن عذاري جيش المسلمين وهم في هذا الجوِّ المتلاطم في المعركة فيقول: «فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجَّالة، ليس فيهم راكب إلاَّ القليل؛ فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى ظنُّوا أنه الفناء» ، فصدق تفسير الشيخ العالم إبن القاسم و هزم الله جيش القوط و قُتلَ طاغيتهم لُذريق و فتح طارق بن زياد الأندلس .

جرير و جارية الحجاج بن يوسف الثقفي

0
جرير و جارية الحجاج بن يوسف الثقفي
جرير و جارية الحجاج بن يوسف الثقفي

جرير و جارية الحجاج بن يوسف الثقفي

نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط ، ولم يكن أحدُُ يدخلها إلاَّ بإذن الحجاج بن يوسف الثقفي . فلمّا دخل على عنبسة ، قال له : ويحكْ ! لقد غرّرتَ بنفسك ! فما حملك على ما فعلت ؟ قال جرير: شِعر قلتُه اعتلج في صدري ، وجاشت به نفسي وأحببتُ أن أُسمعه الأمير. فعنَّفهُ وأدخله داره ، وقال : لا تُطلعنَ رأسك حتّى ننظركيف تكون الحيلة لك .

ولم يلبث أن أتاهُ رسول الحجاج بن يوسف الثقفي من ساعته يدعوهُ في يومٍ قائظ ، وهو قاعد في الخضراء ( يُرادُ بها خضراء واسط) و تُعرف بالقبة الخضراءبناها الحجاج بن يوسف الثقفي مع قصره في هذه المدينة ، وقد صُبَّ فيها ماء إستنقع (إجتمع) في أسفلها وهو قاعد على سرير، و كرسي موضوع ناحية.

قال عنبسة : فقعدتُ على الكرسيّ ، و أقبلَ عليّ الحجّاج بن يوسف يُحذِّثني ، فلمّا رأيتُ تلطفه و طيب نفسه قلتُ : أصلحَ الله الأمير ! رجل من شعراء العرب قال فيك شِعراً أجادَ فيه ، فأستخفه عجبه به حتّى دعاهُ إلى أن رحل إليك ، ودخل مدينتك من غير أن يُستأذن له. قال : و من هو ؟ قلتُ : إبن الخطَفَى . قال : وأين ؟ قلتُ في المنزل . قال يا غلام ! فأقبل الغِلمان يتسارعون . قال صِفْ لهم موضعه من دارك! فوصفت لهم البيت الذي هو فيه .

فأنطلقوا حتّى جاءوا به ، فأُدخلَ عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتّى رُمي به في الخضراء ، فوقع على وجهه في الماء ، ثم قام يتنفس كما يتنفس الفرخ . فقال له الحجّاج : هيه ؟ما أقدمك علينا بغير إذننا ؟ لا أمَّ لك ! قال أصلح الله الأمير ! قُلتُ في الأمير شعراً لم يقل مثله أحد ؛ فجاش به صدري ، و أحببتُ أن يسمعه منّي الأمير ؛ فأقبلتُ به إليه .

فهدأ الحجّاج و سكن ، وإستنشدهُ فأنشده ، ثم قال : ياغلام ! فجاءوا يسعون . فقال : عليَّ بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة ، فأُتِيَ بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال الحجّاج إن أصبت صفتها فهي لك.

فقال جرير : ليس لي أن أقول فيها و هي جارية الأمير! فقال الحجّاج : بلى ، فتأمَّلها و اسألها ؛ فقال لها : ما إسمك ؟ فأمسكت ، فقال الحجاج بن يوسف الثقفي خبِّريه فقالت : أُمامة ، فأنشأ :

ودِّع أُمامةَ حان منك رحيلُ                         إن الوداعَ لمن تُحِبُّ قليلُ

مثلُ الكئيبِ تمايلتْ أعطافُه                          فالريحُ تجْبُر متنه و تهيلُ

هذِي القلوب صوادياً تَيَّمْتِهَا                         وأرى الشفاءُ وما إليه سبيلُ

فقال الحجَّاج : قد جعل الله لك السبيل إليها ، فخدها فهي لك .فضرب جرير بيده إلى يدها ، فتمنَّعتْ عليه ، فقال :

إن كانَ طِبُّكم الدلالُ فإنّهُ                             حُسْنُ دلالك يا أُمام جميل

فضحك الحجّاج ، و أمر بتجهيزالجارية للذهاب مع جرير إلى اليمامة . وكانت من أهل الريّ ، وكان إخوتها أحرار ، فتبعوه و أعطوهُ بها حتّى بلغوا عشرين ألفاً فلم يقبل ، ففي ذلك يقول :

إذا عرضوا عشرين ألفاً تعرَّضت                  لأُمِّ حكيم حاجة هي ماهيَا

لقد زدْتِ أهل الريِّ عندي مودَّة                     وحبَّبْتِ أضعافاً إليَّ اللوَالياَ

فأنجبتْ منه أبناء هم : حكيم و بلال و حرزة.

قصص العرب: بين بني نزار بن معد و الأفعى الجُرْهُمِي

0
قصص العرب: بين بني نزار بن معد و الأفعى الجُرْهُمِي
قصص العرب: بين بني نزار بن معد و الأفعى الجُرْهُمِي

قصص العرب : بين بني نزار بن معد و الأفعى الجُرْهُمِي

الفراسة عند العرب

يحمل العرب صفات اختصوا بها بين الأمم والشعوب، كالشجاعة والكرم والفراسة والذكاء المفرط، و امتازُوا منذ أقدم العصور بالفِراسة والفطنة، و الفراسة علم من العلوم الطبيعية تعرف به أخلاق الناس الباطنة من النظر إلى أحوالهم الظاهرة، وهي مهارة أتقنها العرب في الجاهلية ، حتّى أصبحت قصص الفراسة جزء من قصص العرب في الجاهلية التي تحكي حياة و أخلاق العرب قبل الإسلام.

بين بني نزار بن معد بن عدنان و الأفعى الجرهمي

واليوم نسرد قصة ابناء نزار بن معد بن عدنان، و “نزار بن معد” هو الجد الثامن عشر لرسول الله , و يرتقي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام , و ابناء “نزار” هم أربعة من الذكور , وهم مضر (الذي من نسله رسول الله) و إياد و ربيعة و أنمار.هذه القصة من أشهر قصص الفراسة العربية وقد حدثت لهم هذه القصة مع ملك نجران الأفعى الجرهمي.

لما حضرت نزاربن معد الوفاة دعا بجارية شمطاء ، فقال لإياد : هذه الجارية وما أشبهها من مالي فلك ، ثم اخذ بيد مضر فادخله قبة حمراء ، ثم قال هذه القبة وما أشبهها من مالي فلك ،- ولذا قيل مضر الحمراء- ثم اخذ بيد ربيعة وقال له : هذه الفرس الأدهم والخبأ الأسود وما أشبهها من مالي فلك ،- ولذ قيل : ربيعة الفرس – ثم اخذ بيد انمار وقال : هذه البدرة والمجلس وما أشبهها من مالي فلك ، فان أشكل عليكم هذه القسمة فأتوا الأفعى الجرهمي – وكان ملك نجران- حتى يقسم بينكم وترضوا بقسمته،

فلما مات نزار ركبوا رواحلهم قاصدين الأفعى تنفيذا لوصية والدهم، فلما كانوا من نجران على مسافة يوم، اذا هم بأثر بعير، فقال إياد: انه أعور! فقال أنمار وإنه لأبتر! فقال ربيعة: وإنه لأزْور! وقال مضر: وإنه لشارد لايستقر!

فلم يلبثوا حتى جاءهم راكب، فلما وصلهم قال: هل رأيتم بعير ضال؟ فوصفوه له كما تقدم فقال الراكب: إن هذه لصفته عينا، فأين بعيري؟ قالوا مارأينا! فقال:أنتم أصحاب بعيري، وما أخطئتم من نعته شيئا! فلما أناخوا بباب الأفعى وأستأذنوه، واذن لهم، صاح الرجل بالباب، فدعا به الأفعى، وقال له ما تقول؟ قال: أيها الملك، ذهب هؤلاء ببعيري! فسألهم الفعى عن شأنه، فأخبروه،فقال لإياد :مايدريك انه أعور؟ قال: رأيته قد لحس الكلأ من شق والشق الآخر وافر!

وقال أنمار: رأيته يرمي بعره مجتمعا ولو كان أهلب لمصع به! فعلمت انه أبتر!(ليس له ذيل).

وقال ربيعة:أثرُ احدى يديه ثابت، أما الآخر فاسد، فعلمت أنه أزور!

وقال مضر:رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعداها فيمر بالكلأ الغض فلا ينهش منه شيئا، فعلمت انه شرود! فقال الأفعى:صدقتم! وليسوا بأصحابك فالتمس بعيرك ، ثم سألهم الأفعى عن نسبهم فأخبروه، فرحب بهم وحيّاهم.

ثم قصوا عليه قصة أبيهم، فقال لهم:كيف تحتاجون إليّ وأنتم على ما أرى؟ قالوا: أمرنا بذلك أبونا، فأمر خادم دار ضيافته أن يحسن ضيافتهم، ويكثر مثواهم، وأمر وصيفا له ان يلتزمهم ويحفظ كلامهم، فأتاهم القهرمان بشهد فأكلوه، فقالوا: ما رأينا شهدا أطيب ولا أعذب منه، فقال إياد: صدقتم لولا ان نحله في هامة جبّار! ثم جاءهم بشاة مشوية، فأكلوها واستطابوها ، فقال أنمار:صدقتم لولا انها غذيت بلبن كلبه! ثم جاءهم بالشراب فاستحسنوه، قفال ربيعة: لولا ان كرمته نبتت على قبر! ثم قالوا: ما رأينا منزلا أكرم قِرى ولا أخصب رَحْلاً من هذا الملك، فقال مضر: صدقتم لولا انه لغير أبيه!!!

فذهب الغلام الى الأفعى فأخبره بكل ما سمع مما دار بينهم ، فبعث الى القهرمان فقال: أخبرني عن الشهد الذي قدمته الى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: طلبت من صاحب المزرعة أن يأتيني بأطيب عسل عنده فدار جميع المناحل فلم يجد أطيب من هذا العسل الا أن النحل وضعه في جمجمة في كهف، فوجدته لم يُر مثله قط فقدمته لهم!

فقال: وما هذه الشاه؟ إني بعثت الى الراعي بأن يأتيني باسمن شاة عنده،فبعث بها وسألته عنها فقال:انها أول ما ولدت من غنمي فماتت أمها، وأنِست بجراء الكلبة ترضع معهم، فلم أجد في غنمي مثلها فبعثت بها!!

ثم بعث الى صاحب الشراب وسأله عن شأن الخمر فقال: هي كرمة غرستها على قبر أبيك، فليس في بلاد العرب مثل شرابها، فدخل الأفعى على أمه فقال: أقسمت عليك الا أن تخبرينني من أبي؟؟؟

قالت: أنت الأفعى ابن الملك الأكبر، قال حقا لتصدقينني! فلما ألح عليها قالت أي بني: إن الأفعى كان شيخا قد أُ ثقل، فخشيت ان يخرج هذا الأمر عن أهل هذا البيت، وكان عندنا شاب من أبناء الملوك اشتملت عليك منه.

فعجب الأفعى من القوم وقال: ماهم الا شياطين! ثم أحضرهم وسألهم عن وصية أبيهم، فقال إياد: جعل لي خادمة شمطاء وما اشبهها، فقال الأفعى:انه ترك غنما برشاء فهي لك ورعاؤها من الخدم! وقال أنمار:جعل إليّ بدرة ومجلسه وما أشبهها،فقال: لك مارتك من الرقة، والأرض! وقال ربيعة:جعل لي حبالا سودا وما اشبهها،ترك أبوك خيلا دهما وسلاحا فهي لك وما معها من موالي! فقيل ربيعة الفرس، وقال مضر: جعل لي قبة حمراء وما اشبهها، قال لأفعى: ان أباك ترك ابلا حمراء فهي لك، فقيل مضر الحمراء. فودّعهم و قال لهم لم تصبحو في حاجة إليّ و إنما يصبحُ النّاس جميعاً في حاجة إليكم.

غدر الزمن : حُرْقَة بنت النعمان و سعد بن ابي وقاص

0
غدر الزمن : حرقة بنت النعمان و سعد بن ابي وقاص

غدر الزمن : حرقة بنت النعمان و سعد بن ابي وقاص

غدر الزمن : حُرْقَة  بنت النعمان و سعد بن ابي وقاص

كان للنعمان ابن المنذر اللخمي ملك الحيرة بنت تُسمّى حُرْقَة ، والنعمان ابن المنذرهذا ، أحد ملوك المناذرة وهو اسم أطلق على ملوك الحيرة من آل نصر بن ربيعة الذين عرفوا كذلك بـ«آل لخم»، وبـ«آل النعمان»، وبـ«آل عدي»، وورد أن العرب كانت تسمي بني المنذر بـ«الملوك الأشاهب» لجمالهم.

ذكر المسعودي في مروج الدهب إن حُرْقَة كانت "إذا خرجت إلى بيعتها، يفرش لها طريقها بالحرير والديباج مغشى بالخرز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها وترجع إلى منزلها. فلما هلك النعمان لفها الزمان فأنزلها من الرفعة إلى الذلة".

طلبها كسرى من أبيها النعمان زواج, فأنف أن يزوجها من أعجمي, فجند كسرى الجنود وفتك بالنعمان, وهربت الحرقة ملتجئة إلى بوادي العرب في خفاء.. بلغها وهي في بني سنان أن كسرى أرسل جنداً إلى بكر بن وائل فأرسلت تنذرهم بهذه الأبيات: (من الوافر)

ألا أبلغ بني بكر رسولاً ... فقد جد النفير بعنقفير

فليت الجيش كلهم فداكم ... ونفسي والسرير وذا السرير

كأني حين جد بهم إليكم ... معلقة الذوائب بالعبور

فلو أني أطلقت لذاك دفعاً ... إذاً لدفعته بدمي وزيري

أرسل كسرى صوائح في بلاد العرب, (تنادي) أن برئت الذمة ممن يحمي أو يؤوي الحرقة, فقالت الحرقة تتألف على حمود همة العرب وتخاذلهم أمام كسرى ومما قالت :

لم يبق في كل القبائل مطعم ... لي في الجوار فقتل نفسي أعود

ما كنت أحسب والحوادث جمة ... أني أموت ولم يعدني العود

حتى رأيت على جراية مولدي ... ملكا يزول وشمله يتبدد

فدهيت بالنعمان أعظم دهية ... ورجعت من بعد السميذع أطرد

وغشيت كل العرب حتى لم أجد ... ذا مرة حسن الحفيظة يوجد

ورجعت في إضمار نفسي كي أمت ... عطشاً وجوعاً حره يتوقد

ثم أجارتها الحجيجة, وهي صفية الشيبانية, وحارب قومها كسرى جموعاً كثيرة وجاء يقودها بنفسه,فلما اشتد البأس في الوقعة الأخيرة بين العرب والعجم, وهي وقعة ذي قار, إجتمعوا إلى رأس القوم عمرو بن ثعلبة الشيباني (أخو صفية) فسفرت الحرقة بين يديه, وقالت توصيه:

حافظ على الحسب النفيس الأرفع ... بمدججين مع الرماح الشرع

وصوارم هندية مصقولة ... بسواعد موصولة لم تمنع

وسلاهب من خيلكم معروفة ... بالسبق عادية بكل سميذع

واليوم يوم الفصل منك ومنهم ... فاصبر لكل شديدة لم تدفع

يا عمرو يا عمرو الكفاح لدى الوغى ... يا ليث غاب في اجتماع الجميع

أظهر وفاء يا فتى وعزيمة ... أتضيع مجداً كان غير مضيع

و مما قالت الحرقة تمدح الحجيجة وقومها بني شيبان, بعد (انتصارات ذي قار) :

المجد والشرف الجسيم الأرفع ... لصفية في قومها يتوقع

ذات الحجاب لغير يوم كريهة ... ولدا الهياج يحل عنهم البرقع

نطقاء لا لوصال خل نطقها ... لا بل فصاحتها العوالي تسمح

لا أنس ليلة إذ نزلت بسوحها ... والقالب يخفق والنواظر تدمع

وأعطاها بنو شيبان ألف ناقة وكثيراً من الهدايا الثمينة وأكرموها غاية الإكرام, وقد تزوجت بعد ذلك المنذر بن الريان أحد أبناء الملوك وقد أسلم وقتل بين يدي الرسول عليه السلام في وقعة أحد هو وحمزة رضي الله عنه.

حكايتها مع سعد بن ابي وقاص

فلما قدم سعد بن أبي وقاص القادسية أميراً أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر، في جوارٍ كلهن مثل زيها، يطلبن صلته. فلما وقفن بين يديه، قال: أيتكن حرقة؟ قلن: هذه. قال لها: أنت حُرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك استفهامي؟ إن الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه، ويطيعنا أهله زمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا، وشتت ملأنا. وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قومٍ بسرور وحبرة إلا والدهر معقبهم حسرة ثم أنشأت تقول:

فبيننا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف

فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:

إن للدهر صولةً فأحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت السرورا

قد يبيت الفتى معافًى فيرزا ... ولقد كان آمناً مسرورا

وأكرمها سعدٌ وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه، قالت له: حتى أحييك بتحية أملاكنا بعضهم بعضاً: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زال الكريم عندك حاجة، ولا نزع من عبدٍ صالح نعمةً إلا جعلك سبباً لردها عليه فلما خرجت من عنده تلقاها نساء المصر، فقلن لها: ما صنع بك الأكير؟ قالت: الخفيف

حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريم

وذكرها الجاحظ في كتاب المحاسن والمساوي قال: زعموا أن زياد بن أبيه مر بالحيرة فنظر إلى دير هناك، فقال لخادمه: لمن هذا؟ قال: دير حرقة بنت النعمان ابن المنذر. فقال: ميلوا بنا لنسمع كلامها. فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم، فقال ها: كلمي الأمير. قالت: أوجز، أم أطيل؟ قال: بل أوجزي. قالت: كنا أهل بيتٍ طلعت الشمس علينا، وما على الأرض أحدٌ أعز منا، فما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا. قال: فأمر لها بأوساق من شعير، فقالت: أطعمتك يدٌ شبعي جاعت، ولا أطعمتك يدٌ جوعى شبعت.

فسر زيادٌ فقال لشاعرٍ معه: قيد هذا الكلام لا يدرس. فقال: الطويل

سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتًى ذاق طعم الخير منذ قريب

عبد الملك بن مروان و مفاخرة ربيعة

0
عبد الملك بن مروان و مفاخرة ربيعة
عبد الملك بن مروان و مفاخرة ربيعة 


عبد الملك بن مروان ومفاخرة ربيعة

عبد الملك بن مروان هو الخليفة الخامس من خلفاء بني أمية والمؤسس الثاني للدولة الأموية، كان عاقلا لبيبًا، وعالمًا أديبًا، وكان خطيبًا معدودًا في بني أمية، وكان من عادة عبد الملك أن يحمل خيزرانة في يده وكان يقول: «لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب نصف كلامي». كان عبد الملك بن مروان من أكثر الناس علمًا وأبرعهم أدبًا، يطارح جلساءه حديث الشعر ويجول معهم في نقد الأبيات والمقطعات الشعرية.

قال يوما لجلسائه : خبروني عن حي من احياء العرب فيهم اشد الناس،واسخى الناس، واخطب الناس ، واطوع الناس في قومه، واحلم الناس ؟ واحضرهم جوابا . قالوا ياأمير المؤمنين مانعرف هذه القبيلة ولكن ينبغي لها ان تكون في قريش. قال : لا. قالوا: ففي حمير وملوكها قال: لا . قالوا ففي مضر . قال : لا . قال ( مصقلة بن رقية العبدي ) : فهي اذن في ربيعة ونحن هم. قال: نعم . قال جلساؤه : مانعرف هذا في عبدالقيس الا ان تخبرنا به يا امير المؤمنين . قال: نعم ، اما اشد الناس (( فحكيم بن جبله ))، كان مع علي بن ابي طالب ( ع ) في معركة الجمل فقطعت ساقه فضمها اليه حتى مر به الذي قطعها فرماه بها فجدله عن دابته ، ثم جثا اليه فقتله وأتكأ عليه فمربه الناس فقالوا له: ياحكيم من قطع ساقك ؟ قال : وسادي هذا وانشأ يقول:

يا ساق لاتراعي **** ان معي ذراعي

                احمي بها كراعي


واما اسخى الناس ( فعبدالله بن سوار العبدي )؛ استعمله معاوية على السند ، فسار اليها في اربعة الاف من الجند ، وكانت توقد معه نار حيثما سار ، فيطعم الناس ، فبينما هو ذات يوم اذ ابصر نارا ، فقال: ماهذه؟ قالوا اصلح الله الامير ، اعتل بعض اصحابنا فاشتهى خبيصا فعملنا له ، فامر خبازه ان لايطعم الناس الا الخبيص ، حتى صاحوا وقالوا: اصلح الله الامير ، ردنا الى الخبز واللحم ! فسمي مطعم الخبيص.

واما اطوع الناس في قومه ، ( فالجارود بشر بن العلاء ) ، انه لما قبض رسول الله (ص) وارتدت العرب ، خطب قومه فقال: ايها الناس، ان كان محمد قد مات فان الله حي لايموت ، فاستمسكوا بدينكم ، فمن ذهب له في هذه الردة دينار او درهم او بعير او شاة فله علي مثلاه! فما خالفه منهم رجل.

اما احضر الناس جوابا ( فصعصة بن صوحان العبدي)، دخل على معاوية في وفد اهل العراق ، فقال معاوية : مرحبا بكم يااهل العراق ! قدمتم ارض الله المقدسة ، منها المنشر واليها المحشر ، قدمتم عل خير امير ، يبر كبيركم ويرحم صغيركم، ولو ان الناس كلهم ولد ابي سفيان لكانوا حلماء عقلاء ! فاشار الناس الى صعصعة، فقام فحمد الله وصلى على النبي (ص) ثم قال: اما قولك يامعاوية انا قدمنا الارض المقدسة : فلعمري ما الارض تقدس الناس ، ولا يقدس الناس الا اعمالهم ، واما قولك منها المنشر واليها المحشر ،فلعمري ماينفع قربها ولايضر بعدها مؤمنا ، واما قولك لو ان الناس كلهم ولد ابي سفيان لكانوا حلماء عقلاء ، فقد ولدهم خير من ابي سفيان: ادم صلوات الله عليه ، فمن الحليم والسفيه ، والجاهل والعالم .

واما احلم الناس ف ( الاشج العبدي) فان وفد عبدالقيس قدموا على النبي (ص) بصدقاتهم وفيهم الأشج ، ففرقه رسول الله (ص) وهو اول عطاء فرقه في اصحابه ، ثم قال يا أشج أدن مني ، فدنا منه فقال: ان فيك خلتين يحبهما الله : الأناة والحلم )) وكفى برسول الله شاهدا له !

-العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي ج3 ص298-

الإمام الزاهد الشيخ الشهيد أبو بكر النابلسي والمُعزُّ الفاطمي

0
الإمام الزاهد الشيخ الشهيد أبو بكر النابلسي والمُعزُّ الفاطمي
الإمام الزاهد الشيخ الشهيد أبو بكر النابلسي والمُعزُّ الفاطمي


الإمام الزاهد الشيخ الشهيد أبو بكر النابلسي والمُعزُّ الفاطمي

الفاطميون في مصر

تطلَّع الفاطميون إلى فتح مصر فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحلم غير أنها لم تكلل بالنجاح، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ= 913م أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات، الأمر الذي يؤكد عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر، وكان فشل كل محاولة يقومون بها تزيدهم إصرارا على تكرارها ومعاودتها مرة بعد مرة، ونبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر، فدعمت وجودها العسكري في مصر، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيد، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين.

كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر، وجاءت وفاة كافور الأخشيد سنة (357هـ=968م) لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها كما ذكرنا .

وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، واضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يُزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحا، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

كان أمل الفاطميين التوسع شرقا ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها، وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي حتى تكون بعيدة عن العباسيين،أرسل المعز لدين الله إلى مصر واحدا من أكفأ قادته ألا وهو جوهر الصقلي الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله وخرج المعز في وداعهم في 14 من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م ولم يجد الجيش مشقة في مهمته ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ= 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين، مُعلنا عن إمتداد الدولة الفاطمية العبيدية للشرق العربيّ.

رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لاستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة فكتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم فخرج المعز من المنصورية عاصمته في المغرب وكانت تتصل بالقيروان في 21 من شوال 361 هـ= 5 من أغسطس 972م وحمل معه كل ذخائره وأمواله حتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها واستخلف على المغرب أسرة بربرية محلية هي أسرة بني زيري، وكان هذا يعني أن الفاطميين قد عزموا على الاستقرار في القاهرة، وأن فتحهم لها لم يكن لكسب أراضٍ جديدة لدولتهم، وإنما لتكون مستقرا لهم ومركزا يهددون به الخلافة العباسية.

وصل المعز إلى القاهرة في 7 رمضان 362هـ= 11 يونيو 972م، وأقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية السنية، فنقل مركز دولته إلى القاهرة، وأقام حكومة قوية أحدثت انقلابا في المظاهر الدينية والثقافية والاجتماعية في مصر، ولا تزال بعض آثاره تطل علينا حتى الآن، وجعل من مصر قلبا للعالم الإسلامي ومركزا لنشر دعوته الإسماعيلية والتطلع إلى التوسع وبسط النفوذ.

لم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، لكن حسبه أنه نجح في الانتقال بدولته من المغرب التي كانت تنهكها ثورات المغا ربة المتتالية الذين رفضوا ترك مذهبهم المالكي السُنِّي والتشيُّع للمذهب الإسماعلي، و أنّه أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة..

حكاية الإمام الزاهد الشهيد أبو بكر النابلسي والمُعزُّ الفاطمي 

هو أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي ويعرف بابن النابلسي كَانَ الشهيد أبو بكر النابلسي إِمَاماً فِي الحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، صَائِمَ الدَّهْرِ، كَبِيْرَ الصَّوْلَةِ عِنْدَ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ،حَدَّثَ عَنْ:سَعِيْدِ بنِ هَاشِمٍ الطَّبَرَانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ بنِ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ شَيْبَانَ الرَّمْلِيِّ ،ورَوَى عَنْهُ:تَمَّامٌ الرَّازِيُّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ المَيْدَانِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ عُمَرَ الحَلَبِيُّ.

جاء عن ابن كثير في البداية والنهاية/الجزء الحادي عشر/...فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بعث بين يديه جوهرا القائد فأخذ له بلاد مصر من كافور الأخشيدي بعد حروب تقدم ذكرها، واستقرت أيدي الفاطميين عليها، فبنى بها القاهرة، وبنى منزل الملك، وهما القصران، ثم أقام جوهر الخطبة للمعز الفاطمي في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة، ثم قدم المعز بعد ذلك ومعه جحافل من الجيوش، وأمراء من المغاربة والأكابر.

كما قاله القاضي الباقلاني: إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه، قبحهم الله وإياه، وقد أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبو بكر النابلسي، فقال له المعز: بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة، ورميت المصريين بسهم.

فقال: ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله.

فقال: كيف قلت؟

قال: قلت: ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر.

وقال: ولِمَ؟

قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم، فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا، ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات رحمه الله.

فكان يقال له: الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، ولم تزل فيهم بقايا خير. وقد كان المعز قبحه الله فيه شهامة، وقوة حزم وشدة عزم، وله سياسة، وكان يظهر أنه يعدل وينصر الحق، ولكنه كان مع ذلك منجما، يعتمد على حركات النجوم.

قال له منجمه: إن عليك قطعا - أي: خوفا - في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سردابا، وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار، ولقبه العزيز، وفوض إليه الأمر، حتى يعود إليهم.

فبايعوه على ذلك، ودخل المعز ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكان أصحاب المعز إذا رأوا سحابا ترجل الفارس منهم له عن فرسه، وأومأ إليه بالسلام، ظانين أن المعز في ذلك الغمام، { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْما فَاسِقِينَ } [الزخرف: 54] .

ثم برز إليهم بعد سنة، وجلس في مقام الملك، وحكم على عادته أياما، ولم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم، ونال رزقه المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة.

حكَى ابْنُ السَّعسَاعِ المِصْرِيُّ، أَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ أَبَا بَكْرٍ بنُ النَّابُلُسِيِّ بَعْدَمَا صُلبَ وَهُوَ فِي أَحسنِ هيئَةٍ، فَقَالَ:مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟فَقَالَ:

حبَانِي مَالِكِي بِدَوامِ عِزٍّ ... وَوَاعَدَنِي بقُرْبِ الانتصَارِ

وَقَرَّبَنِي وَأَدْنَانِي إِلَيْهِ ... وَقَالَ:انْعَمْ بعَيْشٍ فِي جِوَارِي

تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

0
تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية
تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

تأثير الفقه الإسلامي في النهضة الأوروبية

خلق الفلاسفة والشعراء والفنانون والعلماء والأمراء والفقهاء المسلمون ثقافة فريدة من نوعها أثرت بدورها على المجتمعات في كل القارات ، كان الفقه الإسلامي هو الظابط الأساسي لحياة هؤلاء العمالقة من السلف الصالح .

في نظرة سريعة على تاريخ الفقه الإسلامي منذ البعثة النبوية ، فإن الفقه الإسلامي جُمع هيكله في عشرة سنين من حياة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم، فلم ينتقل الرسول الكريم صلّى الله عليه و سلّم إلى جوار ربّه حتّى جُمع نظام الفقه و أصوله التي يُردُّ إليها، ولم يمر على أمّة الإسلام ثلاتة قرون حتّى وُضعت مهمّات كتب الفقه في فروعه و فصوله وتطبيق أصوله على فروعه و بناء فروعه على أصوله.

بينما تأخرت الامم السابقة في سنّ قوانينها و على رأسهم مضرب المثل في الحضارة بالنسبة للغرب و أم حضارتهم أمّة الرومان، لم ينظج فقهها القانوني إلاّ في عهد القيصر جوستيان بعد مرور تلاتة عشر (13) قرنا من وجودها.

بدات النهضة في أوروﺑا وهي ترزح في عتمة الظلمات وتحت نير الجهل.لقد كانت نسبة الاميين في اوروبا 99% مقابل 1% فقط من المتعلمين الذين يقرأون و يكتبون .في حين كان في الاندلس وحدها 17 جامعة و الجامعة في الاصل هي اختراع اسلامي من إختراعات إسلامية غيّّرت الحضارة الانسانية، حيث ان جامعة قرطبة وحدها كان بها 11000 طالب و طالبة يدرسـون منهم 4000 اوروبيـــون ، ناهيك عن مكتبتها الرئيسية ، فمكتبة قرطبة كانت منارة للعلم في الأندلس و قبلة كل عالم و باحث لينهل من كتبها النفيسة و مخطوطاتها الناذرة.من الطلبة الاوروبيـــون كان سلفستـر الثانـي صاحب الــدور الاساســي و الفعلي في نقل العلوم العربية بمختلف انواعها وابعادها الى اوروبا، وتغييرنمط الحياة فيها خصوصاً من الناحية القانونية وذلك بنقله للفقه المالكي وادخاله كقانون روماني جديد.

ينكر أغلب الاوروبيون فضل العلوم الاسلامية والفقه لإسلامي و تاثيرهم في المجتمع الاوروبي في حين ان هؤلاء الذين درسوا في قرطبة هم الذين اشعلوا النهضة في اوروبا، لقد كان البابا سلفستر الثاني جربرت ( Pope Sylvester )، هذا الذي ولد في مدينة بيلياك Belliac في مقاطعة أورياك Aurillac الفرنسية (940-1003م) باحثاً متعمقاً وأستاذاً وبابا مولعا و شغوفا بالعلوم العربية الاسلامية التي ازدهرت في عصره، وذاع صيتها حتى ملا الافاق وتجاوز البحار . فأثار إعجاب جربرت بالعرب فغرف من مدارس الاندلس وجامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب ، و التي مكث فيها فترة من الوقت.

واكتسب فيها أيضا معرفة واسعة من العلوم التي أحرز فيها تقدما عظيما لاحقا، حيث ان البابا سلفستر الثاني هذا رحل الى الاندلس انذاك واسبانيا الحالية لتلقي العلم وهو في السابعة و العشرين من عمره ودرس على يد علماء عرب في المؤسسات التعليمية العربية في الأندلس آنذاك والتي كانت تسمى "المدارس" وذلك بقرطبة و قطلونيا واشبيلية، لما كانت الاندلس في ذاك العصر منبع العلم ومنارته ومنهله الوحيد في العالم وعاصمة النور الوحيدة في اوروبا، يستمد منها نور المعرفة و الحداثة في حين كانت أوروﺑا تغوص في ظلمات الجهل و الأمية.

وعلى سبيل المثال عمّر الحضور العربي الإسلامي في إسبانيا ثمانية قرون، من العام 711 م وحتى 1502م انتشر الإسلام خلالها في ربوع هذه البلاد، وسادت ثقافته، فإن المذهب المالكي بدأ تطبيقه في الأندلس منذ (711م ـ 93هـ) أدخله زياد بن عبد الرحمن القرطبي. ، طوال هذه 800 سنة كان الأوروبيون يرسلون طلابهم إلى الدول الإسلامية التي امتدت حدودها حتى شملت جنوب فرنسا ومدن مثل ليون بواتيه كانوا يرسلون طلابهم لأخذ العلم ، وقد إنتشرت أحكام الفقه الإسلامي في كافة أنحاء أوروبا على إثر السنوات 800 التي أمضاها المسلمون في هذه القارة بل إنه حتى بعد مغادرة المسلون الأندلس.

ظل الأوروبيو ن يطبقون أحكام الفقه الإسلامي حتى بعد خروج المسلمون من الأندلس، و استمروا على اتباع تقاليد المسلمين ، وبقي التأثير مستمرا فنشؤوا على هاته التقاليد فأضحت هذه الأحكام أعرافا وكمثال على ذلك " محكمة المياه في فالينسيا " التي تزال إلى يومنا هذا تشتغل وتنظر في منازعات الفلاحين على الماء على الطريقة الإسلامية ، شكلت تجربة المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية جسراً قوياً لنقل العلوم والمعارف، وتوسيع دائرة توطينها لتطال مجمل المجتمعات الأوروبية، التي لم تكن وقتئذ في أحسن حال بشهادة مؤرخيها أنفسهم. .

وفي أواخر القرن الثامن عشر غزا نابليون بونابرت المغرب العربي حتى عكا، فكان لازما لأوروﺑا وضع أول لبنة لبناء نهضتها ، وهي لبنة التشريع وسنِّ القوانين علما أن المجتمعات المتحضِّرة لابد لها من قوانين تظبط الحياة العامّة، و لضعف المجتمع الاروبي في الحقل التشريعي آنذاك ، فالأوربّي كان يعيش بين فوضى الإقطاع و ظلم الأقوياء، كان لابد من مصادرموثوقة وقوانين لمجتمعات متحضِّرة لنقلها للمجتمع الأوربي الهمجي آنداك لتنظيمه و تحويله إلى مجتمع متحضّر.

اعتمدت أوروبا في هذه المرحلة على نقل القوانين و التشريعات من الفقه الإسلامي، كقانون نابليون بونبارت ، يقول المستشرق الفرنسي لوييس فيديو صاحب كتاب "تاريخ العرب العام" يقول فيه:" إن قانون نابليون الأول مأخود من كتاب فقهي في مذهب مالك هو " شرح الدردير على متن خليل" وهو كتاب مشهور في الفقه المالكي".

يقول " أرنولد توينبي" في كتابه المعروف " الدعوة للإسلام"، " أدخل العرب الظافرون الإسلام في إسبانيا عام 711 م وفي عام 1502 أصدر ملوك الكاثوليك "فرديناند وإيزابلا" مرسوماً يقضي بإلغاء شعائر الإسلام في جميع أرجاء البلاد، إلا أن إسبانيا كتبت في الفترة الواقعة بين هذين التاريخين صفحة من أنقى الصفحات وأسطعها في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى".

أقرّ " جوستاف لوبون "، في كتابه " حضارة العرب"، قائلا:" إذا رجعنا إلى القرن التاسع  والقرن العاشر الميلادي، حين كانت الحضارة الإسلامية يانعة في إسبانيا، فإن مراكز الثقافة في الغرب كان يمتلكها سادة إقطاعيون متوحشون يفخرون بنهم لا يقرأون".

و يقول المستشرق البريطاني هربرت جورج ويلز (هربرت جورج ويلز (1866م- 1946م) كاتب ومؤرخ وعالم اجتماع بريطاني شهير له كتاب إسمه "معالم تاريخ الإنسانية") "The whole Story of Man"، يقول في هذا الكتاب " إنّ أروبا مدينة للإسلام في معظم قوانينها التجارية و الإدارية ".

يقول المستشرق الإيراندي إيدمان بيوك :" إن القانون المحمدي قانون ظابط للجميع من الملك إلى أقل رعاياه ، وهذا القانون نُسج على أعظم نظام حقوقي ، و إن شريعة الإسلام هي أعدل شريعة لم يسبق للعالم إيجاد نظام مثله قط ولا يجيء بعده مثله.

يقول " جورج سرطون" ، صاحب كتاب " مقدمة تاريخ العلم" :"لقد حقق المسلمون عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطى..وكانت اللغة العربية منذ منتصف القرن الثامن الميلادي حتى نهاية القرن الحادي عشر هي لغة العلم والارتقاء بالجنس البشري".

نوَّهت محكمة العدل الدولية بأهمية ورُقي الفقه الإسلامي التي اعتبرت في حكمها تاريخ /8/23 /1958 أن أحكام الشريعة هي إحدى الأنظمة القانونية في المجتمع.

تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد

0
تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد
تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب و الرجل الزاهد

تاريخ الخلفاء : عمر بن الخطاب والرجل الزاهد

كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثاني الخلفاء الراشدين لا يخاف في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب والبعيد، الحبيب والغريب حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك الأمر. فأقام العدل على نفسه و على أهله و على الرعية والولاة بلا استثناء ، نسرد اليوم قصّة من قصص عدل عمر و حرصه على عدل عمّاله و استقامتهم .

استعمل "عمر ابن الخطاب" رضي الله عنه علي حمص رجلا يقال له "عمير بن سعد " فلما مضت السنة كتب إليه : أن أقدم علينا فلم يشعر "عمر" إلا وقد قدم عليه "عمير" ماشيا حافيا عكازته بيده وإداواته ومزودته وقصعته علي ظهره فلما نظر "عمر" إلى " عمير" قال له : أجدبنا ؟ أم البلاد بلاد سوء ؟

فقال له: يا أمير المؤمنين أما نهاك الله أن تجهر بالسوء وعن ظن السوء وقد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها ؟ فقال عمررضي الله عنه له : وما معك من الدنيا ؟ قال : عكاز أتوكأ عليها وادفع بها عدواً إن لقيته ومزود احمل فيه طعامي وإداواة أحمل فيها ماء لشربي وطهوري وقصعة أتوضاء فيه واغسل فيها راسي واكل فيها طعامي فوالله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي .

فقام "عمر " رضي الله عنه إلي قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم – و"أبي بكر" رضي الله عنه فبكي بكاء شديداً. ثم قال : "اللهم ألحقني بصاحبيّ غير مفتضح ولا مبدل"، ثم عاد إلي مجلسه فقال ما صنعت في عملك يا "عمير" فقال : أخذت الإبل من أهل الإبل والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل ، فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شئ لأتيتك به . فقال " عمر " : عد إلي عملك يا عمير فقال : أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلي أهلي ، فأذن له فأتي أهله فبعث عمر رجل يقال له : " حسيب " بمائة دينار ، وقال : اختبر لي " عميرا" ، وانزل عليه ثلاثة أيام حتي تري حاله ، هل هو في سعة أو ضيق ؟ فإن كان في ضيق ، فادفع إليه الدنانير .

فأتاه " حسيب " فنزل به ثلاثاُ ، فلم يرَ له عيشا إلا الشعير والزيت ، فلما مضت ثلاثة أيام قال "عُمير" إن رأيت أن تتحول إلي جيراننا ، فلعلهم يكونون أوسع عيشا منا ، فإننا والله لو كان عندنا غير هذا، لآثرناك به.

فدفع إليه الدنانير وقال : قد بعث بها أمير المؤمنين إليك ، فدعا بفرو خَلِق لامرأته فجعل يصر منها الخمسة الدنانير والستة والسبعة ، ويبعث بها إلي إخوانه من الفقراء إلي أن أنفذها .

فقدم "حسيب" علي " عمر" وقال : "جئتك يا أمير المؤمنين من عند ازهد الناس "، وما عنده من الدنيا قليل ولا كثير ، فأمرله " عمر" بوسقين من طعام وثوبين ، فقال : يأمير المؤمنين أما الثوبان فأقبلهما ، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما، عند أهلي صاع من بُر هو كافيهم حتي أرجع إليهم ".